قيل: إنَّ الملكَ إذا عرف أنَّها زوجتُه لا يمكن أن يصل إليها إلاَّ بالتَّخلُّص من زوجها، فيَقْتُلَ إبراهيمَ؛ للوصول إلى المرأة؛ لكن لو عرف أنَّها أختُه ربَّما وصل إليها بطريقةٍ أخرى كالزَّواج أو غيره، وإن كان رجلًا رَكَّابًا للحرام، كما يتبيَّن من القصَّة.
لكنَّه كان ظالمًا يريد اغتصابها، فلعلَّه كان إذا عرف أنَّ المرأةَ متزوِّجةٌ قَتَلَ الزَّوْجَ أوَّلًا، فأراد إبراهيمُ أن يدفع أعظم الضَّرَرَيْنِ بارتكاب أخفِّهما، بين أن يكذب أو يخبر بالحقيقة، ويُقْتَل، فارتكب أدنى المفسدتين، وأخبر بتلك الكلمة، وقال لها: «ليس على وَجْهِ الأرض مؤمنٌ غيري وغيرك» .
لو قال قائلٌ: ولوطٌ - عليه السَّلامُ؟! فيمكن أن يقال: إنَّ إبراهيمَ يقصد الأرضَ الَّتي هو فيها الآن، دخلنا بلدَ مصرَ، لا يوجد مؤمنٌ غيري وغيرك، أمَّا الأرض الأخرى ففيها لوطٌ؛ {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت: 26] .
وقال إبراهيم: {إِنِّي مُهَاجِرٌ} [العنكبوت: 26] وهاجر إبراهيمُ، {إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى رَبِّي} [العنكبوت: 26] .
لمَّا أُخِذَتْ سَارَّةُ من إبراهيم قام إبراهيم يصلِّي، ولمَّا أُدْخِلَتْ سَارَّةُ على الملك لم يتمالك أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إليها من شدَّة جمالها؛ لأنَّه لم يستطع أن يقاوِمَ نَفْسَهُ، فقبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شديدةً.
وفي روايةٍ: «فقام إليها فقامت تتوضَّأ وتصلِّي -أي: تدعو- فغُطَّ» . وفي روايةٍ: «رُكِض برجله» يعني: اخْتَنَقَ، كأنَّه مَصْرُوعٌ، والغطُّ: صَوْتُ النَّائم، من شدَّة النَّفخ، غَطِيطٌ.
فمجموع الرِّوايات يؤخذ منها: أنَّه عوقب أوَّلًا بقبض يده؛ أي: شُلَّتْ يَدُهُ ولم يستطع أن يحرِّكها، وثانيًا: أنه صُرِعَ.
جاء في رواية الأعرج: إنَّ سَارَّةَ توضَّأت وَدَعَتِ اللهَ - عزَّ وجلَّ - قائلةً: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تعلم أنِّي آمنتُ بك وبرسولك، وأحصنتُ فَرْجِي إلاَّ على زوجي، فلا تُسَلِّطْ عليَّ الكافرَ» .
هي تعلم أنَّها آمنت به لكن تواضعًا قالت هذا الدُّعاء. ولمَّا شُلَّتْ يَدُ هذا المَلِكُ وَصُرِعَ قال: «ادْعِي اللهَ لي ولا أضرُّك» .
وفي روايةِ مُسْلِمٍ: «ادْعِي اللهَ أن يُطْلِقَ فَفَعَلَتْ» .
قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: قالت: «اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ: هي الَّتي قَتَلَتْهُ» . إن يمت الآن من هذه الصَّرعة يقول قومُه: هي الَّتي قَتَلَتْهُ، فربَّما قتلوها، فَدَعَتِ اللهَ له فأرسلها.
لمَّا تحرَّر الرَّجُلُ وَرَجَعَ إلى حاله الأولى هل توقَّف؟ أبدًا. تناولها الثَّانية، ثمَّ قام إليها، فقامت تتوضَّأ وتصلِّي ودعت الله - عزَّ وجلَّ - فَأُخِذَ مثلَها أو أَشَدَّ، أَشَدَّ من القبضة الأولى.
وفي المرَّة الثَّالثة دَعَا الرَّجل الَّذي جاء له بِسَارَّةَ وقال له: إنَّك لم تأتني بإنسانٍ، إنَّما أتيتني بشيطانٍ، ما أرسلتم إليَّ إلاَّ شيطانةً أَرْجِعُوهَا.
ولعلَّه لمَّا صُرِعَ ظَنَّ أنَّ الشَّيْطَانَ هو الَّذي تدخَّل، وكانوا قبل الإسلام في الجاهليَّة يعظِّمون أَمْرَ الجنِّ جدًّا، ويرون كلَّ ما وقع من الخوارق من فعل الجنِّ.
لمَّا رأى الملكُ نَفْسَهُ مَصْرُوعًا مشلولًا قال: هذا من فعل الجنِّ، هذا شيطانٌ، هذا ليس بإنسانٍ.
أَطْلَقَ سَرَاحَ سَارَّةَ وقال: أعيدوها إلى إبراهيم، وزيادةً على ذلك: أعطاها خادمةً وهي هاجر، وَهَبَهَا لها لِتَخْدِمَهَا؛ لأنَّه سَمِعَ أنَّها كانت تعجن العجين أو تخدم نفسَها، قال: هذه لا يليق أن تخدم نفسها، فأعطاها خادمةً وهي: هاجر.
فلمَّا أطلق سراحَها ومعها هاجر أَتَتْ سَارَّةُ إلى إبراهيم وكان يصلِّي.
ورأيتُ في بعض الآثار: أنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - كَشَفَ الحِجَابَ فيما بَيْنَ إبراهيم - عليه السَّلامُ - وَبَيْنَهَا، فلم يَزَلْ يَرَاهَا منذ خَرَجَتْ من عنده إلى أن رجعت إليه، وكان مشاهدًا لها، وهي عند الملك، وكيف عَصَمَهَا اللهُ