كيف يعبد النَّاسُ ربًّا يختفي ويأفل؟ {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي} فافتقر غاية الافتقار إلى هداية ربِّه، وَعَلِمَ أنَّه إن لم يَهْدِهِ اللهُ، فلا هاديَ له، وَإِنْ لَمْ يُعِنْهُ على طَاعَتِهِ، فلا مُعِينَ له.
وَيُعَاوِدُ إبراهيمُ مُحَاوَلَتَهُ في إقامة الحجَّة على الفئة الأولى من قومه .. عبدة الكواكب والنُّجوم، فيعلن أنَّ الشَّمْسَ رَبُّهُ؛ لأنَّها أكبرُ من القمر.
وما إن غابت الشَّمس، حتَّى أعلن براءتَه من عبادة النُّجوم والكواكب؛ فكلُّها مخلوقاتٌ تَأْفِلُ.
وأنهى جولتَه الأولى بتوجيهه وَجْهَهُ للَّذي فَطَرَ السَّماوات والأرضَ حَنِيفًا .. ليس مشركًا مثلهم.
فتبرَّأ من الشِّرْكِ، وأذعن بالتَّوحيد، وأقام على ذلك البرهانَ.
استطاعت حجَّةُ إبراهيم أن تُظْهِرَ الحقَّ، وبدأ صراعُ قومه معه.
لم يسكت عنه عبدةُ النُّجوم والكواكب، بَدَءُوا جدالَهم وتخويفَهم له وتهديدَه، وردَّ إبراهيمُ عليهم فقال: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بالأمن أن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) } (الأنعام) .
فذكر اللهُ رَدَّ إبراهيم المنطقيَّ العاقل. كيف يخوِّفونه ولا يخافون هم؟ أيُّ الفريقين أحقُّ بالأمن؟
قال الله - تعالى - فاصلًا بين الفريقين: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} أَيْ: يَخْلِطُوا {إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولَئِكَ لَهُمُ الامْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} .
الأَمْنُ من المخاوف والعذاب والشَّقاء، والهداية إلى الصِّراط المستقيم.
فإن كانوا لم يَلْبِسُوا إيمانَهم بظلمٍ مطلقًا، لا بشركٍ، ولا بمعاصٍ، حَصَلَ لهم الأمنُ التَّامُّ، والهدايةُ التَّامَّةُ.
وإن كانوا لم يلبسوا إيمانَهم بالشِّرْكِ وَحْدَهُ، ولكنَّهم يعملون السَّيِّئات، حَصَلَ لهم أصلُ الهداية، وأصلُ الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالُها.
فلمَّا لم يستجيبوا له، قَرَّرَ الذَّهابَ إلى مِصْرَ، فلمَّا دخل بلاد مِصْرَ، وكان عليها هذا الرَّجُلُ الجَبَّارُ قيل له: إنَّ هنا رجلًا - لمَّا دخل أرضَ مِصْرَ وكان فيها هذا الجبَّارُ - وهو إبراهيمُ - وَمَعَهُ امرأةٌ؛ هناك رجلٌ معه امرأةٌ دخلوا مَمْلَكَتَكَ، المرأةُ جميلةٌ جدًّا في غاية الجمال، لا تصلح إلاَّ لك.
وإبراهيمُ تزوَّجها لَمَّا هَاجَرَ من بلاد قَوْمِهِ إلى حرَّانَ، قيل: إنَّه تزوَّجها في ذلك الوقت، ولمَّا دخل بها مصرَ وكان على مصر ذلك الملك الطَّاغية بعض أقرباء الملك، كما ورد في الحديث.
رأى إبراهيم ورأى معه سارَّة، وكانت قد أوتيت من الحسن شيئًا عظيمًا، وقال له: إنِّي رأيتُها تطحن، وإنَّها في غاية الجمال، فالملكُ كان لا يدع شيئًا مثل هذا يفوته من ظُلْمِهِ وَعَسَفِهِ وبَغْيِهِ، فأرسل إلى إبراهيم وإلى سارَّة وجيء بها، وجيء معه، فسأله عنها، فقال: من هذه المرأة الَّتي معك؟
قال: أختي. ظاهرُ الحديث أنَّه أُتِيَ بإبراهيم أوَّلًا وسأله: من هذه؟ قال: هذه أختي. رَجَعَ إبراهيمُ إلى زوجته، قال: يا سارَّةُ! ليس على وَجْهِ الأرض مُسْلِمٌ غيري وغيركِ، ثمَّ طلب منها إذا سألها الملكُ عن قرابتها منه مَن تكون بالنِّسبة له أن تقول له: إنَّها أختُه؛ حتى لا يتناقض كلامُه مع كلامها؛ ولئلاَّ يظهر بمظهر الكاذب.
فقال: فصدِّقيه إذا سألك عنِّي، فقولي: هذا أخي؛ لأنني قلت له: إنَّكِ أختي، يقصد إبراهيمُ أختي في الإسلام. فلعلَّ إبراهيمَ أَحَسَّ مُسْبَقًا أنَّ الملكَ سيطلبها، فأوصاها بما أوصاها به.
ولمَّا وَقَعَ ما كان يظنُّه، أعاد عليها الوصيَّة لمَّا استدعاه الملكُ، وقال: من هذه المرأة الَّتي معك؟ قال: أختي، رجع إليها، وقال: إذا سألك فاصدقيني إذا سألك فقولي له: أنك أختي، ولا تكذبيني. ما هو السبب؟ لماذا لم يقل: إنَّها زوجتي؟ ولماذا لم يخبر بالحقيقة؟