فهرس الكتاب

الصفحة 541 من 581

وموطئ إبراهيم في الصَّخر رطبةٌ على قدميه حافيًا غيرَ نَاعِلِ

والمقصودُ: أنَّ الخليلَ بَنَى أَشْرَفَ المساجد، في أشرف البقاع، في وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، ودعا لأهلها بالبركة، وأن يُرْزَقُوا من الثَّمَرَاتِ، مع قِلَّةِ المياه، وعدم الأشجار والزُّروع والثِّمار، وَأَنْ يَجْعَلَهُ حَرَمًا محرَّمًا، وآمنًا محتمًا.

فاستجاب اللهُ له- وله الحمد - مسألتَه، ولبَّى دعوتَه، وآتاه طِلْبَتَهُ، فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} ، وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا} .

وسألَ اللهَ أن يبعث فيهم رسولًا منهم؛ أي: مِنْ جِنْسِهِمْ، وعلى لُغَتِهِمُ الفصيحة البَلِيغَةِ النَّصيحة؛ لِتَتِمَّ عَلَيْهِمُ النِّعْمَتَانِ الدُّنْيَوِيَّةُ والدِّينيَّةُ سَعَادَةُ الأولى والآخرة.

وقد استجاب اللهُ لَهُ؛ فَبَعَثَ فِيهِمْ رَسولًا - وأيُّ رَسُولٍ - خَتَمَ به أنبياءَه وَرُسُلَهُ، وأكمل له من الدِّينِ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا قَبْلَهُ، وَعَمَّ بِدَعْوَتِهِ أَهْلَ الأرض على اختلاف أجناسهم، ولغاتهم، وصفاتهم في سائر الأقطار، والأمصار، والأعصار إلى يوم القيامة.

وكان هذا مِنْ خَصَائِصِهِ مِنْ بَيْنِ سائر الأنبياء؛ لِشَرَفِهِ على نَفْسِهِ، وَكَمَالِ ما أُرْسِلَ به، وَشَرَفِ بُقْعَتِهِ، وَفَصَاحَةِ لُغَتِهِ، وَكَمَالِ شَفَقَتِهِ على أمَّتِه، ولُطْفِهِ، ورحمته، وكريم مَحْتَدِهِ، وعظيم مولده، وطِيبِ مصدره ومورده.

ولهذا استحقَّ إبراهيمُ الخليلُ - عليه السَّلامُ - إذ كان باني الكعبة لأهلالأرض، أن يكون مَنْصِبُهُ وَمَحَلُّهُ وَمَوْضِعُهُ في منازل السَّماوات، وَرَفِيعِ الدَّرجات عند البيت المعمور.

الَّذي هو كعبة أهل السَّماء السَّابعة المبارك المبرور، الَّذي يدخله كلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألفًا من الملائكة يتعبَّدون فيه، ثمَّ لا يَعُودُونَ إليه إلى يَوْمِ البَعْثِ والنُّشُورِ.

إسماعيل - عليه السَّلامُ - كانت منه العرب على اختلاف قبائلها، ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق، وسيِّدهم، وفخر بني آدم في الدُّنيا والآخرة، محمَّد بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم القرشيِّ الهاشميِّ المكِّيِّ ثمَّ المدنيِّ صَلَوَاتُ الله وسلامُه عليه.

فلم يوجد من هذا الفرع الشَّريف، والغصن المُنِيفِ سوى هذه الجوهرة الباهرة، والدُّرَّةِ الزَّاهرة، وواسطة العقد الفاخرة، وهو السَّيِّدُ الَّذي يفتخر به أهل الجَمْعِ، وَيَغْبِطُهُ الأوَّلونَ والآخرون يوم القيامة.

وقد ثَبَتَ عنه في «صحيح مسلم» أنَّه قال: «سَأَقُومُ مَقَامًا يَرْغَبُ إِلَيَّ الخَلْقُ كُلُّهُمْ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ» .

-فوائد وَعِبَرٌ من قصَّة إسماعيل - عليه السلام:

1 -طاعة إسماعيل لأبيه؛ لأنَّ رُؤْيَا الأنبياء وَحْيٌ، واللهُأَمَرَهُ بِذَبْحِ ابْنِهِ امتحانًا؛ فلو أَمَرَ الأَبُ ابْنَهُ بِذَبْحِ نَفْسِهِ فلا يجوز له ذلك.

2 -إبراهيمُ بَلَغَ مَرْتَبَةَ الخُلَّةِ؛ وهي أعلى درجات المحبَّة، فامتحنه اللهُ في مَحَبَّةِ ابْنِهِ وَمَحَبَّةِ رَبِّهِ، فقدَّم إبراهيمُ مَحَبَّةَ الله.

3 -قدرة الله في منح الأبناء بعد الكِبَرِ؛ {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} فقال تعالى: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} .

4 -إذا كَمُلَإِيمَانِ العبد، كَمُلَ تَوْحِيدُهُ وإخلاصُه، وإذا كَمُلَ الإيمانُ في القلب، لم يَكُنْ معه عِصْيَانٌ.

5 -انظر إلى إبراهيم هان عليه ابنُه أَمَامَأمر الله.

6 -إذا ربَّى العبدُ ابنَه على طاعة الله، قَرَّ اللهُ عَيْنَهُ في الدُّنيا والآخرة، وتكون أعبد من الأب؛ فما من أَبٍ يقف على رأس ابنه كلَّ يَوْمٍ «صلِّ صلِّ» إلا ذلَّلَهُ اللهُ له في الكِبَرِ.

7 -قَلْبُ المؤمن مثلُ الذَّهب كلَّما حُكَّ ازداد لمعانًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت