فهرس الكتاب

الصفحة 471 من 581

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمٌ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» الهيثمي في مجمع الزوائد.

ومن هنا فهؤلاء الَّذين يَبْنُونَ المَسَاجِدَ على القبور هم شِرَارُ الخَلْقِ عند الله، حَتَّى لَوْ صَلَّوْا؛ لأنَّه إذا انتهى من صلاته، ذَهَبَ إلى صاحب القبر، فَيَخْشَعُ عنده أَكْثَرَ مِنْ خشوعه بين يدي الله.

وَبَعْضُهُمْ لا يُصَلِّي إلاَّ في مَسْجِدٍ فيه قَبْرٌ، وَيَظُنُّأَنَّهُأَقْرَبُ للإجابة، والصَّلاة فيه مُحَرَّمَةٌ، ولا تَصِحُّ الصَّلاةُ في مَسْجِدٍ بُنِيَ على قَبْرٍ؛ لا فَرْضًا ولا نَفْلًا.

سُمِّيَتْ بذلك؛ لتفضيل اللهِ هذه القَبِيلَةَ على سائر القبائل، ولم يجعل اللهُ قُرَيْشًا مُفَضَّلَةًلِكَوْنِهَا قُرَيْشًا، وليس هذا من باب العصبيَّةِ، وَلَكِنْ بسبب قيامها بِأَمْرِ الله.

فَجَمِيعُ القَادَةِ العُظَمَاءِ الَّذين فتحوا الأَمْصَارَ، وَقَامُوا بالدِّين، كلِّهم من قُرَيْشٍ. نَعَمْ؛ في قُرَيْشٍ بِأَفْرَادِهَا مَنْآَمَنَ وَصَدَّقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَخَّرَ، لكن على على وَجْهِ العموم جَعَلَ اللهُ السَّابقين الأَوَّلِينَ من المهاجرين من قُرَيْشٍ، وقاموا لله وَحْدَهُ.

وهذه السُّورَةُ الجَلِيلَةُ العظيمة الَّتي نزلت باسم هذه القبيلةتَتَحَدَّثُ عمَّا أَنْعَمَ اللهُ به على كفَّار قُرَيْشٍ مِنْ نِعَمِهِ العظيمةِ الَّتي لاتُعَدُّ ولا تُحْصَى.

فَإِنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِنِعَمِهِ العَظِيمَةِ الَّتي لاتُعَدُّ ولا تُحْصَى، فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ؛ نِعْمَةِ الأَمْنِ والغِذَاءِ.

فهما مِنْأَكْبَرِ النِّعَمِ الدُّنيويَّة الموجبة لشكر الله- تعالى - وَبِفَقْدِهِمَا تُهْجَرُ الدِّيَارُ، وَتُهْجَرُ الأَوْطَانُ، وَتُصْبِحُ الحَيَاةُ لا قِيمَةَ لها، وهما لا يتحقَّقان إلاَّ بالإيمان والعمل الصَّالح؛ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} .

فَمَنِ اسْتَجَابَ لله، جَمَعَ اللهُ له بَيْنَ أَمْنِ الدُّنْيَا وَأَمْنِ الآخرة، ومن عصاه، سَلَبَهُمَا منه، وَيَخْتَلُّ الأَمْنُ بالكفر والمعاصي.

كان النَّاسُ قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - في جاهليَّةٍ جَهْلاءَ، وَعَمَايَةٍ عَمْيَاءَ، فَكَانَ القَتْلُ، وَالنَّهْبُ، والسَّلْبُ، واعتداءُ القويِّ على الضَّعيف، وكانت الحروبُ تَنْشَأُ لأَتْفَهِ الأَسْبَابِ، فَتُزْهَقَ النُّفُوسُ، وَتُرَمَّلَ النِّسَاءُ، وَيُيَتَّمَ الأطفالُ.

فَكَانَ الأَمْنُ مَفْقُودًا، والسَّلْبُ والنَّهْبُ أمرًا معهودًا، حَيَاةٌ لا أَمَانَ فيها، ولا اسْتِقْرَارَ، فالمُقِيمُ مُهَدَّدٌ بالضَّرَرِ، والمسافرُ في وَجَلٍ وَخَطَرٍ.

فلمَّا جاء الإسلامُ أَقْسَمَ نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - وهو في ظِلِّ الكعبة: «وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلاَّ اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» رواه البخاري.

وإذا تَبَيَّنَ هَذَا كُلُّهُ فَسُورَةُ قُرَيْشٍ تَتَحَدَّثُ عَنْ أَعْظَمِ نِعَمِ الدُّنيا: نِعْمَةِ الأَمْنِ والغِذَاءِ.

وَعَدَّدَ اللهُ على قُرَيْشٍ نِعَمَهُ، وَأَنْزَلَ سُورَةً كاملةً في القرآن بِاسْمِهِمْ، والسَّبَبُ في ذلك أنَّ قُرَيْشًا سُمِّيَتْ قريشًا؛ لأنَّها أعظمُ العرب فعالًا.

جاء عن أمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ- رضي الله عنها - أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «فَضَّلَ اللهُ قُرَيْشًا بِسَبْعِ خِصَالٍ: فَضَّلَهُمْ بِأَنَّهُمْ عَبَدُوا اللهَ عَشْرَ سِنِينَ، لا يَعْبُدُ اللهُ إِلاَّ قُرَيْشٌ، وَفَضَّلَهُمْ بِأَنَّهُ نَصَرَهُمْ يَوْمَ الفِيلِ وَهُمْ مُشْرِكُونَ، وَفَضَّلَهُمْ بِأَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِمْ سُورَةٌ مِنَ القُرْآَنِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ وَهِيَ {لإِيلافِ قُرَيْشٍ} ، وَفَضَّلَهُمْ بِأَنَّ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ، وَالخِلَافَةَ، وَالحِجَابَةَ، وَالسِّقَايَةَ» . [أخرجه الحاكمُ والطَّبرانيُّ، وحسَّنه الألبانيُّ لِغَيْرِهِ] .

قوله: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ} : الإيلافُ لَهُ مَعْنَيَانِ:

الإيلافُ يَأْتِي بمعنى: «لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين وَعَدَمِ تفرُّقهم» . فهو بمعنى الجَمْعِ والضَّمِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت