فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 581

{مِنْ سِجِّيلٍ} أَيْ: مِنْ طِينٍ. كما وَرَدَ في قَوْمِ لُوطٍ: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} .

والمعنى حِجَارَةٌ مُرْسَلَةٌ عليهم، والحَجَرُ لَيْسَ كَبِيرًا، بل هو صَغِيرٌ؛ يَضْرِبُ الوَاحِدَ مِنْ هَؤُلاءِمِنْ رَأْسِهِ، وَيَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ والعياذُ باللهِ.

قوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} :العَصْفُ: هو التِّبْنُ وقشورُ النَّباتات، وَشَبَّهَهُمْ بالعَصْفِ كِنَايَةً عن شِدَّةِ تدميرهم؛ فَلَمْ يَبْقَ منهم إلاَّ فُتَاتٌ.

-فَوَائِدُ:

1 -سلَّط اللهُ العذابَ على أصحاب الفيل، وهم نصارى وَأَهْلُ كِتَابٍ، ولم يسلِّط العذابَ على كفَّار قريشٍ، وهم مشركون؛ لأنَّ كلَّ مَنْأَرَادَ بَيْتَ الله يُهْلِكُهُ اللهُ كَائِنًا من كان.

فَحَمَى اللهُ كُفَّارَ قُرَيْشٍ بحماية بَيْتِهِ؛ فَأَمَّنَهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَحَفِظَهَا من أعدائه.

ففي «البُخَارِيِّ» عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآَخِرِهِمْ» .

قالت: قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ، كيف يُخْسَفُ بأوَّلِهِم وَآَخِرِهِمْ وفيهم أسواقُهم وَمَنْ لَيْسَ منهم؟ قال: «يَخْسِفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآَخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» .

2 -حَمَى اللهُ بَيْتَهُ؛ لأنَّه سَيَأْتِي جِيلٌ بَعْدَ هؤلاء الكفَّار، وَيَبْقَى البَيْتُ عَامِرًا بطاعة الله إلى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ.

3 -الرَّافِضَةُ جَعَلُوا بَيْتًا يضاهي الكَعْبَةَ ببلادهم، يُمَاثِلُ فِعْلَ هذا الطَّاغية حينما بَنَى صَوْمَعَةً، ويريدون صَرْفَ النَّاس عن بيت الله بِخُزَعْبَلاتٍ وَخُرَافَاتٍ وَضَلالاتٍ، وَتَبِعَهُمُ الضَّالُّونَ، أمَّا المؤمنُ فَلَنْ يَذْهَبَ إلى هذه القبور، واللهُ غَالِبٌ على أَمْرِهِ، وَنَاصِرٌ دِينَهُ.

4 -عَظَمَةُ مَكَّةَ، وَحُرْمَتها، فهيالبلد الحرام، والحَرَمُ اجْتَمَعَتْ فيها الحُرُمَاتُ؛ حُرْمَةُ المكان، والزَّمان، والمعصية.

هَذَا الحَرَمُ خِيرَةُ اللهِ مِنْأَرْضِهِ؛ ضَاعَفَ اللهُ فيه الحَسَنَاتِ، وَعَظَّمَ فيه السَّيِّئَاتِ، مَنْ هَمَّ فيه بِمَعْصِيَةٍ فَلَهُ عَذَابٌأَلِيمٌ، وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍأَلِيمٍ، فكيف بمن يعمل بمعصية الله؟ إنه يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لعقوبةٍ عظيمةٍ.

وكيف بِمَنْ يَرْتَكِبُ المَعَاصِيَ، وَيَتْرُكُ الصَّلَوَاتِ، ويقع في الفواحش؟

وما أَكْثَرَ الَّذين يَعْصُونَ اللهَ في حَرَمِهِ! وما أَكْثَرَ الَّذين لا يَعْرِفُونَ حُرْمَةَ الحَرَمِ!

5 -ليس في الدُّنيا مَكَانٌ جَعَلَهُ اللهُ قيامًا للنَّاس إلاَّ البيتَ الحَرَامَ بِمَكَّةَ؛ فإذا تَرَكَ النَّاسُ العَمَلَ بالقرآن، رَفَعَهُ اللهُ من الصُّدور، ومن الكتب.

فإذا تَخَلَّوْا عن دِينِهِمْ، رُفِعَ القُرْآَنُ، ولا يَقَعُ إِلاَّ حِينَ لا يبقى على الأرض مُؤْمِنٌ، فيبقى شِرَارُ النَّاسِ، وَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ.

عَنْ عبد الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: «لَيُسْرَيَنَّ عَلَى القرآن ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلا يُتْرَكُ آيَةٌ فِي مُصْحَفٍ وَلا فِي قَلْبِ أَحَدٍ إِلاَّ رُفِعَتْ» . أخرجه الدَّارِمِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

أخرج الدَّارِمِيُّ بإسنادٍ حَسَنٍ لغيره: عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: «أَكْثِرُوا تِلاوةَ القرآن قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ» . قَالُوا: هَذِهِ الْمَصَاحِفُ تُرْفَعُ! فَكَيْفَ بِمَا فِي صُدُورِ الرِّجَالِ؟ قَالَ: «يُسْرَى عَلَيْهِ لَيْلًا، فَيُصْبِحُونَ مِنْهُ فُقَرَاءَ، وَيَنْسَوْنَ قَوْلَ لا إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَيَقَعُونَ فِي قَوْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَشْعَارِهِمْ، وَذَلِكَ حِينَ يَقَعُ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ» . والمرادُ بالقول: ما جاء في الآية الكريمة: {وَإذا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ} .

فإذا أَرَادَ اللهُ زَوَالَ الدُّنْيَا، أَرْسَلَ رِيحًا تَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ؛ فلا يَبْقَى إلاَّ شرارُ الخَلْقِ، ولا يبقى في الأرض أحدٌ يقول «الله الله» وَأَذِنَ اللهُ بِزَوَالِ بَيْتِهِ؛ سَلَّطَ رَجُلًا مِنَ الحَبَشَةِ مَعَهُ جُنْدٌأَوَّلُهُمْ عِنْدَ الكعبة، وَآَخِرُهُمْ على البحر، حَتَّى يَرْمُونَهُ في البحر حجرًا حجرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت