فهرس الكتاب
فجاء حماطةُ فدُلَّ على عبد المطَّلب بن هاشمٍ، وبلغه عن أَبْرَهَةَ ما قال، فقال له عَبْدُ المطَّلب: واللهِ ما نريد حَرْبَهُ، وما لنا بذلك مِنْ طَاقَةٍ، هذا بَيْتُ الله الحرام، فَإِنْ يَمْنَعْهُ فهو بَيْتُهُ، وما لنا به طَاقَةٌ.
فقال له حَماطَةُ: فاذهب معي إليه، فذهب معه، فلمَّا رآه أبرهةُ أَجَلَّهُ، وكان عبدُ المطَّلب رجلًا جميلًا، حَسَنَ المَنْظَرِ، وَنَزَلَ أَبْرَهَةُ عن سريره، وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له حاجتك.
فقال للتَّرجمان: إنَّ حاجتي أن يَرُدَّ عَلَيَّ المَلِكُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصابها لي. فقال أبرهةُ لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثمَّ قد زهدتُ فيك حين كلَّمتَني، أتكلِّمني في مِائَتَيْ بعيرٍ أصبتُها لك، وتترك بيتًا هو دينُك، ودينُ آبائك، قد جِئْتُ لِهَدْمِهِ، لا تكلِّمني فيه؟!
فقال له عبدُ المطَّلب: إنِّي أنا رَبُّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع منِّي! قال: أنت وذاك. ويقال: إنَّه ذهب مع عبد المطَّلب جَمَاعَةٌ من أشراف العرب، فعرضوا على أَبْرَهَةَ ثُلُثَ أَمْوَالِ تِهَامَةَ على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم.
فلمَّا وجَّهوا الفيل نَحْوَ مكَّة، أَقْبَلَ نُفَيْلُ بْنِ حَبِيبٍ حتَّى قام إلى جَنْبِهِ ثمَّ أخذ بِأُذُنِهِ وقال: ابْرُكْ مَحْمُودُ، وارجع راشدًا من حيث جئتَ، فإنَّك في بلد الله الحرام.
ثمَّ أرسل أُذُنَهُ، فَبَرَكَ الفِيلُ، وخرج نُفَيْلُ بْنِ حَبِيبٍ يَشْتَدُّ حتَّى أَصْعَدَ في الجبل، وضربوا الفيلَ لِيَقُومَ، فَأَبَى.
فضربوا في رأسه بالطبرزين، وأدخلوا محاجن لهم في مراقه، فبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجَّهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يُهَرْوِلُ، ووجَّهوه إلى الشَّام، ففعل مثل ذلك، ووجَّهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجَّهوه إلى مكَّة فَبَرَكَ.
فأرسل اللهُ طيرًا مِنْ قِبَلِ البحر، مثل الخطاطيف صَغِيرَةً، أَصْغَرَ من العصفور، لَوْنُها أَصْفَرُ، وأَرْجُلُهَا حُمْرٌ، جاءت وحلَّقت عليهم، وأرسلت عليهم العذابَ، مع كلِّ طَائِرٍ ثلاثةُ أَحْجَارٍ يحملها أَمْثَالُ الحِمَّصِ والعَدْسِ، لا يصيب منهم أحدًا إلاَّ هَلَكَ.
وليس كلُّهم أصابت؛ فمنهم من هلك سريعًا، فكان الحَجَرُ يقع على رأس الرَّجل فيخرج من دُبُرِهِ، وعلى كلِّ حَجَرٍ اسْمُ من يقع عليه، ومن أصابت جِسْمَهُ، تساقطت أَعْضَاؤهُ عُضْوًا عُضْوًا؛ تعذيبًا لهم.
وَبَعَثَ اللهُ على أَبْرَهَةَ دَاءً في جسده، فجعلت تَسَاقَطُ أَنَامِلُهُ، حتَّى انتهى إلى صنعاءَ، وهو مثل الفرخ، وما مات حتَّى انصدع صدرُه عن قلبه، ثمَّ هَلَكَ.
وَنُفَيْلٌ مع قريشٍ وَعَرَبِ الحجاز ينظرون ماذا أَنْزَلَ اللهُ بأصحاب الفيل من النِّقْمَةِ، وَنُفَيْلٌ يقول: أين المَفَرُّ؟ والإلهُ الطَّالِبُ، والأَشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغَالِبَ.
قوله: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} :أَيْ ضالاًّ وضائعًا؛ كادوا البَيْتَأوَّلًا ببناء كنيسة القليس؛ ليصرفوا وُجُوهَ الحاجِّ إليه، فضلَّل كيدَهم بإيقاع الحريق فيه، وَصَرْفِ وجوه النَّاس عنهم، فلم يَحُجَّهُ أَحَدٌ.
وَكَادُوهُ ثَانِيًا بإرادة هَدْمِهِ، فضلَّل كيدَهم بإرسال الطَّير عليهم.
ولا زَالَ كَيْدُأَعْدَاءِ الله إلى اليوم من الشِّيعة وغيرهم؛ اللهُ - تعالى - بَعَثَ مُحَمَّدًا نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - وهم يجعلونها في عَلِيٍّ وَذُرِّيَّتِهِ.
اللهُ - تعالى -اختار مَكَّةَ حَرَمًا، وهم جعلوها في قبور أئمَّتهم المزعومين في كَرْبِلاءَ، الله أَنْزَلَ كتابَه وَأَمَرَ باتِّبَاعِهِ، وهم جعلوها في «الكافي» ، اللهُ أَمَرَ ببناء المساجد، و هم قَلَبُوهَا حُسَيْنِيَّاتٍ وَأَضْرِحَةً.
قوله: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ} :أي جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةً؛ وهي طَيْرٌ سُودٌ مِنْ قِبَلِ البحر، فَوْجًا فَوْجًا، مع كلِّ طَائِرٍ ثَلاثَةُأَحْجَارٍ؛ حَجَرٌ في مُنْقَارِهِ، وَحَجَرَانِ في رِجْلَيْهِ، أَكْبَرُ مِنَ العَدَسَةِ، وَأَصْغَرُ مِنَ الحِمَّصَةِ.
فَهِيَ طَيْرٌ تَرْمِي بِحِجَارَةٍ صَغِيرَةٍ، فلا تُخْطِئُ المَقْتَلَ.
قوله: {تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} : «تَرْمِيهِمْ» ، وهناك قِرَاءَةُ «يَرْمِيهِمْ» والمعنى أَيِ: اللهُ أَوِ الطَّيْرُ يَرْمِيهِمْ أو تَرْمِيهِمْ.