فهرس الكتاب

الصفحة 468 من 581

وهذه السُّورَةُتَتَحَدَّثُ عن قِصَّةِأصحاب الفيل، الَّذين قَصَدُوا هَدْمَ الكعبة، فَرَدَّ اللهُ كَيْدَهُمْ في نحورهم، وحمى بَيْتَهُ، فَأَرْسَلَ على هذا الجيش العَظِيمِأَضْعَفَ مخلوقاته، وهي الطَّير تحمل حجارةً صغيرةً في حَجْمِ حَبَّةِالعَدَسِ، لكنَّها أَشَدُّ فتكًا بهم.

وفيه-أيضًا - بَيَانُ ماامْتَنَّ اللهُ به على كفَّار قُرَيْشٍ وساكني الحَرَمِ؛ حيث صَدَّ عنهم هذا الجَيْشَ العظيمَ، وكيف حمى الله بيتَه العظيمَ.

ففيها عِبْرَةٌ لِمَنْأراد أَنْ يَمَسَّ البيتَ الحرامَ أو أَهْلَهُ بِسُوءٍ؛ فإنَّ الله ينتقم منه.

وفيها -أيضًا - تَحْذِيرٌ لكلِّ من يحادُّ اللهَ ورسولَه، ويحارب دينَه أو أولياءَه؛ لأنَّ هذا الحَدَثَ التَّاريخيَّ مُقَدِّمَةٌ لقدوم جيلٍ مُوَحِّدٍ يَعْمُرُ بَيْتَ اللهِ بالتَّوحيد، والعبادة لله وَحْدَهُ.

قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} : الخِطَابُ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وَأُمَّتُهُ تَبَعٌ له، والرُّؤيةُ علميَّةٌ، أي: ألم تعلم يا محمَّدُ - صلى الله عليه وسلم - علمًا يقينيًّا باستماع الأخبار المتواترة، ومعاينة الآثار الظاهرة، آَثَارَ صُنْعِ الله بالحبشة، حينما همُّوا بهدم الكعبة، ماذا صَنَعَ اللهُ بهم؟

والغَرَضُأنَّ اللهَ - تعالى - يُقَرِّرُ ما فَعَلَ - سبحانه وتعالى - بأصحاب الفيل؛ فَفِيهَا تَسْلِيَةٌ لرسوله - صلى الله عليه وسلم - حينما كذَّبه قومُه، وأيضًا فيها تَهْدِيدٌ لكفَّار قريش المكذِّبين.

قوله: {بِأَصْحَابِ الفِيلِ} :أصحابُ الفيل: هم الَّذين قَدِمُوا من اليمن يريدون تَخْرِيبَ الكعبة من الحبشة، ورئيسُهم أَبْرَهَةُ الحبشيُّ الأشرمُ كما سيأتي.

أمَّا قِصَّةُ أصحاب الفيل على وَجْهِ الإيجاز والاختصار والتَّقْرِيبِ:

كان أَبْرَهَةُ الحبشيَّ واليًا لملك الحبشة على اليمن، وكان نصرانيًّا، فغار حينما رأى النَّاسَ يذهبون من اليمن إلى مكَّة، فبنى كنيسةً هائلةً بصنعاءَ رفيعةَ البناء، عاليةَ الفناء، مزخرفةَ الأرجاء، سَمَّتْهَا العربُ القُلَّيْس؛ لارتفاعها.

وَعَزَمَ أَبْرَهَةُ الأشرمُ على أن يصرف حجَّ العرب إليها، كما يحجُّ إلى الكعبة بمكَّة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العربُ العدنانيَّةُ والقحطانيَّةُ ذلك، وغضبت قُرَيْشٌ لذلك غضبًا شديدًا، فسمع به رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَدَخَلَهَا لَيْلًا، فلطَّخ قِبْلَتَهَا بالعَذْرَةِ.

وقيل: «إِنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍأَشْعَلُوا نارًا، فَحَمَلَتْهَا الرِّيحُ فأحرقتها، فَأَقْسَمَ أَبْرَهَةُ لَيَسِيرَنَّ إلى الكعبة، وليخرِّبنَّها حجرًا حجرًا» .

وسار أَبْرَهَةُ إلى الكعبة في جَيْشٍ عَظِيمٍ، واصطحب معه ثَلاثَةَ عَشَرَ فيلًا، وكان معها فِيلٌ يقال له محمودٌ، لم يُرَ مِثْلُهُ عَظْمًا وَجِسْمًا وَقُوَّةً؛ لِيَهْدِمَ به الكعبة.

فخرج إليه مَلِكٌ من ملوك اليمن، يُقَالُ له ذو نَفَرٍ، فَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُ أَبْرَهَةُ، وأخذه أسيرًا، ثمَّ مضى حتَّى إذا بلغ بِلادَ خَثْعَمَ، خَرَجَ إليه نُفَيْلُ بْنِ حَبِيبٍ الخَثْعَمِيُّ، ومن اجتمع إليه من قبائل العرب.

فقاتلوهم، فهزمهم أَبْرَهَةُ، فَأَخَذَ نُفَيْلًا، فقال له: أيُّها الملكُ: إنَّا دَلِيلُكَ بأرض العرب، فَاسْتَبْقِنِي خيرًا لك، فاستبقاه.

ثمَّ بلغ الطَّائفَ، وَصَانَعَهُأَهْلُ الطَّائف من أجل بيت اللاَّت وقالوا: أَيُّهَا المَلِكُ نَحْنُ عَبِيدُكَ، ونحن نبعث معك من يَدُلُّكَ.

وأرسلوا معه أبا رغالٍ، فلمَّا انتهى أَبْرَهَةُ إلى المغمس - وهو قَرِيبٌ من مكَّة - نزل به، وأغار جيشُه على سرح أهل مكَّة من الإبل وغيرها، فأخذوه. وكان في السَّرْحِ مِائَتَا بَعِيرٍ لعبد المطَّلب.

وبعث أبرهةُ حماطةَ الحميريَّ إلى مكَّة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريشٍ، وأن يخبره أنَّ الملكَ لم يجئ لقتالكم إلاَّ أن تصدُّوه عن البيت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت