قوله: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} قيل: «معناه اجتمعت عليه الشَّدَائِدُ كثيرةً؛ سَكْرَةُ الموت، وحسرةُ الفوت، وشدَّةُ الموت، وضعفُ الجسم، وخروجُ الرُّوح؛ لأنَّ السَّاقَ يُطْلَقُ ويراد به الشِّدَّةُ، والمرادُ شدَّةُ أَلَمِ نَزْعِ الرُّوح، وَضَعْفُ البدن، وشدَّةُ مفارقة الأهل والمال، فَاجْتَمَعَتْ عليه» .
وقيل: «الْتَوَتْ سَاقَاهُ عِنْدَ موته، فَتَعَطَّلَتْ عن الحركة والتَّنقُّلِ، وانطوى بعضُها على بعضٍ» .
قوله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} : أي: يَلْقَى رَبَّهُ.
قوله: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} : فلا آَمَنَ بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا صلَّى لله، وفيه تَعْظِيمُ شَأْنِ الصَّلاة، وأنَّها تأتي بعد الإيمان بالله، وهذا الَّذي مات لا آَمَنَ بالله ولا صلَّى له.
قوله: {وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} :كذَّب بِقَلْبِهِ؛ فَمَا آَمَنَ، وَتَوَلَّى بِفِعْلِهِ، وَأَعْرَضَ عن الإيمانِ وَعَن الطَّاعات.
قوله: {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى} : أي: مَغْرُورًا بِدُنْيَاهُ، فَرَجَعَ إلى أَهْلِهِ متبخترًا ومتكبِّرًا ومتشاغلًا بدنياه عن آَخِرَتِهِ، وهو قريرُ العين بما هو فيه من دنياه.
قوله: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} : هذا تَهْدِيدٌ بعذابٍ وَوَعِيدٍ، وكرَّرها، وقد قرأها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أبي جَهْلٍ فَوَلَّى وقال: «بِأَيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي؟» وفي روايةٍ: «فقال أبو جهلٍ: أتهدِّدنى يا مُحَمَّدُ، فَوَاللهِإنِّى لأَعَزُّ أَهْلِ هذا الوادي وأكرمُه» رواه الترمذي و صححه الألباني في الصحيحة.
قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} :أَيْ مُهْمَلًا. فَأَنْكَرَ على من يحسب ذلك؛ يعني: أيحسب الإنسانُ الكافرُ المغرورُ بدنياه، والمتشاغلُ بها أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، فلا يُحَاسَبَ ولا يُجَازَى ولا يُؤْمَرَ ولا يُنْهَى؟
والصَّحيحُ الأَمْرَانِ؛ لأنَّ الثَّوَابَ والعقابَ مترتِّبان على الأمر والنَّهي، فَتَأْبَى حكمةُ الله وَعَدْلُهُ أَنْ يُتْرَكَ النَّاسُ هملًا وسدًى، فيسوَّى بين المؤمن والكافر.
فاقتضت حكمتُه وعدلُه أن جَعَلَ بعد الحياة مماتًا، وبعده حسابًا، فيجزي الَّذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الَّذين أحسنوا بالحسنى.
قوله: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} :أي: كان نُقْطَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى في الأرحام، ثمَّ تحوَّل المنيُّ إلى دَمٍ، ثمَّ كان قِطْعَةَ لَحْمٍ؛ فَخَلَقَهُ بِقُدْرَتِهِ، وَسَوَّى خَلْقَهُ وحواسَّه وعظامه، وأحسن خلقه.
قوله: {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} :نُطْفَةٌ واحدةٌ تحوَّلت بقدرة الله إلى زَوْجَيْنِ؛ ذَكَرٍ وأُنْثَى، وجعلهم زَوْجَيْنِ لأجل بقاء النَّوع والجنس.
قوله: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} :فَمَنْ قَدَرَ أن يخلق الإنسانَ من ماءٍ مهينٍ، قادرٌ على إحيائه بعد مَوْتِهِ، وهو الَّذي يبدأ الخَلْقَ ثمَّ يُعِيدُهُ وهو أَهْوَنُ عليه.
والإنسانُ إذا مات يفنى كلُّه، ويبقى منه عَجَبُ الذَّنَبِ، ومنه يُرَكَّبُ غَدًا، وكان - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا قَرَأَ هذه الآَيَةَ يَقُولُ: «سبحانك. بَلَى» .
تمَّت. ولله الحمدُ والمِنَّةُ.
سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ اللهَ ذَكَرَ فيها أحوالَ الإنسان الثَّلاثة:
1 -ما قَبْلَ خَلْقِهِ وَوُجُودِهِ.
2 -ما بَعْدَ خَلْقِهِ ووجوده.
3 -ثمَّما بَعْدَ مَوْتِهِ وخروجه؛ أَيْ: حَالَهُ في الدَّار الآخرة.
هذه السُّورَةُ العَظِيمَةُ الجَلِيلَةُ تتحدَّث عن عِدَّةِأُمُورٍ: