فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 581

-أوَّلًا: ابتدأت السُّورةُبذكر خَلْقِِ الإنسانِ، وَنَشْأَتِهِ، و كيف خُلِق، وَضَعْفِ خَلْقِهِ، وَتَهْيِئَتِهِ لِيَقُومَ بما كُلِّفَ به من مهمَّةٍ؛ وهي عبادة الله.

ثمَّأخبر أنَّه قَسَّمَ الخَلْقَإلى فريقين؛ شَكُورٍ وَكَفُورٍ، ثمَّ بَيَّنَ جَزَاءَ الفَرِيقَيْنِ، ثمَّ تَحَدَّثَتْ عَنِ النَّعِيمِ الَّذي أعدَّه اللهُ في الآخرة لأهل الجنَّة، وَهُمُ الأَبْرَارُأَصْحَابُ اليمين، مُنَبِّهًا على الأعلى وهو جزاءُ المقرَّبين السَّابقين.

ثمَّأَخْبَرَ - سُبْحَانَهُ -أنَّهامْتَنَّ على نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - وأُمَّتِهِأنْ لم يُنزل عليهم القرآنُ جُمْلَةً واحدةً، فيثقل عليهم، ويصعب العملُ به.

ثمَّ خُتِمَتِ السُّورةُ الكريمةُبأنَّ السُّورةَ بِجُمْلَتِهَا تذكرةٌ بما فيها من عظاتٍ وَذِكْرٍ لأهلِ الجنَّة والنَّار ونعمة إنزال القرآن.

قوله: {هَلْأَتَاعَلَاالْإِنْسَانِحِينٌمِنَالدَّهْرِلَمْيَكُنْشَيْئًامَذْكُورًا} :

هل بمعنى «قد» وليست للاستفهام؛ إنَّما هي للتَّحقيق والتَّقرير، والمقصودُ: قد أَتَى على الإنسان وَقْتٌ من الدَّهر قَبْلَ خَلْقِهِ لم يَكُنْ شَيْئًا يُذْكَرُ.

قوله: {مَذْكُورًا} : أي ليس له وجود يُذْكَرُ.

والإنسانُ مَحْفُوفٌ بِعَدَمَيْنِ؛ عَدَمٍ قَبْلَهُ، وَعَدَمٍ بَعْدَهُ، ومُلْكُ العبد في الدُّنيا سواءٌ قلَّ أو كَثُرَ لَهُ مُتْعَةٌ مُعَارَةٌ في زمنٍ يَسِيرٍ، ونفسُه ومالُه وأهلُه مِلْكٌ لله عَزَّوَجَلَّ حَقِيقَةً.

وقد جُعِلَ عند العبد عاريةً، وسوف يأتي ربَّه غدًا فردًا كما خَلَقَهُأوَّلَ مرَّةٍ، بلا أَهْلٍ، ولا مالٍ، ولا عشيرةٍ، ولكن يأتيه بالحسنات والسَّيِّئَاتِ.

وفيه أنَّ مَنْ قَدَرَ على خَلْقِ الإنسان مِنْ عَدَمٍ، قَادِرٌعلى بَعْثِهِ.

قوله: {إِنَّاخَلَقْنَاالْإِنْسَانَمِنْنُطْفَةٍ} : أي: نُقْطَةَ مَنِيٍّ.

قوله: {أَمْشَاجٍ} :من نطفةٍ مختلطةٍ من ماءِ الرَّجل وماء المرأة.

قوله: {نَبْتَلِيهِ} : عِلَّةُ وجود الإنسان وسرُّ وجوده.

والحكمةُ مِنْ خَلْقِهِ وإيجاده أن يُبْتَلَى وَيُمْتَحَنَ.

والمهمَّةُ عبادةُ الله؛ فاللهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ ليعذِّبَهم، ولا جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ تَنَعُّمٍ، بل خَلَقَهُمْ لِيَمْتِحَنَهُمْ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُأَنْ يَخْلُقَ دَارَيْنِ؛ دَارًا للتَّكليف، ودارًا للجزاء؛ فَدَارُ التَّكليف خَلَقَهَا في سِتَّةِأيَّامٍ، وَبَيَّنَ الحِكْمَةَ من خَلْقِهَا؛ {إِنَّاجَعَلْنَامَاعَلَاالْأَرْضِزِينَةًلَّهَالِنَبْلُوَهُمْأَيُّهُمْأَحْسَنُعَمَلًا} .

وَلَمْ يَخْلُقِ البشر سُدًى وهملًا، أو عبثًا؛ خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ، فَأَنْزَلَ عليهم كتبًا، وَأَرْسَلَ إليهم رُسُلًا، وجعل لنا أسماعًا وَأَبْصَارًا وَعُقُولًا، وَبَيَّنَ لنا طريقَ الخَيْرِ لِنَسْلُكَهُ، وبيَّن لنا طَرِيقَ الشَّرِّ لِنَتْرُكَهُ.

ثمَّ وَكَّلَ بنا ملائكةً يكتبون كلَّ قَوْلٍ قلناه، وَكُلَّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ، فإذا مات العبدُ طُوِيَتْ صَحِيفَتُهُ، وانقطع عملُه، وإذا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ إلى أرض المحشر، أُعْطِيَ كِتَابَهُ.

وفي الحديث: «إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْأُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ، ثُمَّأُوَفِّيكُمْإِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ» رواه مسلم.

ومن هنا أراد اللهُأن يمتحنَ الإنسانَ في الدُّنيا بما يجري عليه من خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَفَرَحٍ وَحُزْنٍ، وفقرٍ وَغِنىً، وصِحَّةٍ ومرضٍ، حتَّى يَظْهَرَ شُكْرُهُ عند النِّعَمِ، وَجَزَعُهُ عن المصائب.

فَيَظْهَرَ من المؤمنُ الصَّابرُ الشَّاكرُ، وَيُظْهِرَ الكَافِرُ بَطَرَهُ عِنْدَ النِّعَمِ، وَجَزَعَهُ عند المصائب.

قوله: {فَجَعَلْنَاهُسَمِيعًابَصِيرًا} : فَجَعَلَهُ مِنْ أَجْلِ ذلك ذَا سَمْعٍ وَذَا بَصَرٍ مدركًا يُدْرِكُ بهما الخير والشَّرَّ.

فَشُرُوطُ التَّكْلِيفِ بِتَوْحِيدِ رَبِّنَا أَرْبَعَةٌ؛ العقلُ، والبلوغُ، ووصولُ الحجَّة؛ أَيْ: بُلُوغَ الدَّعوة، وهي إرسالُ الرُّسُلِ وإنزالُ الكُتُبِ، ورابعُها سلامةُإحدى حاسَّتي السَّمع والبصر، وهما - السَّمْعَ والبَصَرَ - يَعْدِلانِ العَقْلَ، وَفَقْدُهُمَا معًا مِثْلُ فَقْدِ العقل تمامًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت