فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 581

والسَّمْعُ والبصرُ لهما مَدْخَلٌ في إيصال العلوم إلى العقل والقلب، ولذلك لا يكلَّف الإنسانُإلاَّ عند البلوغ؛ لأنَّ العَقْلَ عند الإنسان لا يكتمل إلاَّ عند البلوغ.

قوله: {إِنَّاهَدَيْنَاهُالسَّبِيلَ} :أي أَرْشَدْنَاهُ. أَيْ: بيَّنا له طريقَ الخير؛ ليسلكه، وبيَّن له طريقَ الشَّرِّ؛ ليتركه، ثمَّ له اختيارٌ ومشيئةٌ.

وقسَّم الخَلْقَإلى شَكُورٍ وَكَفُورٍ وبيَّن جزاءهم.

والشَّاكرون هم من ثَبَتَ على نعمةِ الإيمان، والكافرون مَنْ كَفَرَ بالرَّحمن.

قوله: {إِمَّاشَاكِرًا} :أي مؤمنًا يسلك الطَّريق الخيِّر الَّذي بُيِّنَ له، فَيُطِيعَ الله.

{وَإِمَّاكَفُورًا} :أي: كافرًا يَسْلُكُ طريقَ الشَّرِّ؛ فيعصيَ اللهَ وَيَكْفُرَ به.

ثمَّ بَعْدَمَا بَيَّنَ طَرِيقَ الخَيْرِ والشَّرِّ، بَيَّنَ بَعْدَهَا جَزَاءَ الشَّاكر والكافر.

قوله: {إِنَّاأَعْتَدْنَالِلْكَافِرِينَسَلَاسِلَوَأَغْلَالًاوَسَعِيرًا} : أي أعدَّ اللهُ للكافرينسلاسلَ؛ أَيْ: قُيُودًا من حديدٍ في أقدامهم، وأغلالًا في أيديهم وأعناقهم، ونارًا يُحْرَقُونَ بها.

يقول اللهُ تعالى: {فَسَوْفَيَعْلَمُونَ (70) إِذِالْأَغْلَالُفِيأَعْنَاقِهِمْوَالسَّلَاسِلُيُسْحَبُونَ (71) فِيالْحَمِيمِثُمَّفِيالنَّارِيُسْجَرُونَ} أَيْ: يُحْرَقُونَ ويُوقَدُونَ.

أَجْمَلَ اللهُ عَذَابَ الكافرين، وَفَصَّلَ جَزَاءَ الأبرار؛ لأنَّ الحَدِيثَ جاء عن مَعْرِضِ الامْتِنَانِ على الإنسان في خَلْقِهِ، وَإِكْرَامِهِ بالسَّمْعِ والبصر، وهدايته، واختياره.

بعدما بيَّن اللهُ عِقَابَ الكفَّار، بيَّن ثوابَ أهل الطَّاعة والإيمان.

قوله: {إِنَّالْأَبْرَارَيَشْرَبُونَ} :الأبرارُ جَمْعُ «بَرٍّ» ، وهو المُطِيعُ المُتَّقِي.

والبِرُّ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لكلِّ خِصَالِ الخير، وأهلُ الإيمان ثلاثةُ أقسامٍ؛ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ، وهو من ضيَّع بعض الفرائض، ووقع في بعض المحارم منالمعاصي دُونَ الشِّرك. وهو تَحْتَ المشيئة.

والمُقْتَصِدُ؛ من الاقتصاد الذي هو: أَدَاءُ الفرائض وَتَرْكُ المحارم، وهم الأبرارُأصحابُ اليمين.

والسَّابِقُ بالخيرات، هم المقرَّبون؛ فَعَلُوا الواجبات والمستحبَّات، وَتَرَكُوا المحرَّمات والمكروهات، وتركوا الشُّبُهَاتِ الَّتي لا يُدْرَاأَهِيَ حَلالٌ أَمْ حَرَامٌ، وَفُضُولَ المباحات. {هُمْدَرَجَاتٌعِندَاللَّهِ وَاللَّهُبَصِيرٌبِمَايَعْمَلُونَ} .

فَذَكَرَ اللهُ جَزَاءَ الأبرار أصحابِ اليمين في سورة الإنسان منبِّهًا على الأعلى، وهو جزاءُ المقرَّبين السَّابقين، فإذا كانجزَاءَ الأبرار، فما الظَّنُّ بجزاء المقرَّبين؟

قوله: {يَشْرَبُونَمِنكَأْسٍكَانَمِزَاجُهَاكَافُورًا} : الجنَّة فيها جميعُ أنواع الشَّراب.

والمعنى هنا: أَيْ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ فيها خَمْرٌ، خَلَطَهَا مَاءُ الكافور، وهو أَحْسَنُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ؛ فهي طيِّبةُ الرَّائحة، لَذِيذَةُ الطَّعْمِ، فيُمْزَجُ بالكافور؛ لأنَّه يمتاز بالبرد، وَطِيبِ الرَّائحة.

وَكَافُورُ الجنَّة ليس مِثْلَ كَافُورِ الدُّنيا، والكافورُ في الدُّنيا شجرةٌ جَمِيلَةٌ، وَطَيِّبَةُ الرَّائحة، دائمةُ الخُضْرَةِ.

وَيُؤْخَذُ من أسفلها من الجِذْعِ اللِّثَى، وَيُصْنَعُ منه الكافورُ، وأَجْوَدُهُ ما كان أَبْيَضَ.

قوله: {عَيْنًايَشْرَبُبِهَاعِبَادُاللَّهِ} :عبادُ الله؛ أَيِ: العِبَادَةَ الخاصَّةَ؛ وهم أَهْلُ الإيمان والطَّاعة، وإلاَّفالخلقُ كلُّهم عبادُ الله، و العبوديَّة العامة من مؤمن وكافر.

وكلُّهميَأْتِيهِ يَوْمَ القيامة فردًا، لا مالَ، ولا ولدَ، ولا عشيرةَ، ولكن يأتيه بالحسنات والسَّيِّئات.

قوله: {يَشْرَبُبِهَا} : ولم يَقُلْ منها، فيها تَضْمِينٌ لمعنى الارتواء بها.

قوله: {يُفَجِّرُونَهَاتَفْجِيرًا} : أي يجرُّونها حيث شاءوا من منازلهم؛ أينما أرادوها وجدوها، فيقودوها حيث شاءُوا، وَتَتْبَعُهُمْ.

وقيل: «تُفَجَّرُ أي: تُشَقُّ حَسَبَ طَلَبِهِمْ، وليس فيها شُحٌّ، ولا تَنْفَدُ مع كثرة الاستهلاك أو طول الوقت» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت