وبعدما ذَكَرَ بعضَ نعيمهم، ذَكَرَ بعضَ أعمالهم الَّتي أهَّلتهم لهذه الكرامات.
قوله: {يُوفُونَبِالنَّذْرِ} : النَّذْرُ؛ هناك نذرٌالمقصودُ به نذر التَّبرُّر والتَّقرُّب إلى الله، وهناك نَذْرٌ خَرَجَ مَخْرَجَ اليمين.
فَمَنْ وفَّى بما أَوْجَبَ على نفسه من النُّذور، وَجَبَ عليه؛ لأنَّهُ نَذْرٌ لله.
النَّذْرُ: هو أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بطاعةٍ لم تَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبَةً، وهي مِنْ أنواع العبادات، لا يجوز أن تُصْرَفَ لغير الله؛ فَمَنْ نَذَرَ لقبرٍ، أو ضريحٍ، أو ميِّتٍ؛ فهذا شركٌ أكبرُ.
وَيَقْتَسِمُ هذه النُّذُورَ سَدَنَةُ القبور والطَّواغيتُ، وهي نُذُورٌ شِرْكِيَّةٌ، والمشروعُ نَذْرُ الطَّاعة والوفاء به.
ففي الحديث: «مَنْ نَذَرَأَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَأَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» رواه البخاري.
وإذا نَذَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الوَفَاءُ؛ لأنَّه الْتَزَمَ لِرَبِّهِ، لَكِنْ لَوْ نَذَرَأَنْ يَعْصِيَ اللهَ، كَمَنْ نَذَرَألاَّ يَصِلَ رَحِمَهُ، أو ألاَّ يتصدَّق؛ فلا يوفِّي به، وَيَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ.
وهل عليه كفَّارةُ يَمِينٍ؟ مَحَلُّ خِلافٍ؛ فَمَدَحَ اللهُ الأبرارَ بالوفاء بالنَّذْرِ.
وفي الحديث: «يَأْتِي فِي آَخِرِ الزَّمَانِأَقْوَامٌ يَنْذِرُونَ وَلَا يُوَفُّونَ بِهِ» . لم أجده بهذا اللفظ
فهو أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِطَاعَةٍ، والنَّذْرُ من حيث هو مَكْرُوهٌ؛ لأنَّه قد لا يُوَفِّي به، وَضَيَّقَ على نَفْسِهِ.
ولا يَأْتِي بِخَيْرٍ؛ إنَّما يَسْتَخْرِجُ من البخيل، والمُسْلِمُ في سَعَةٍ.
والأصلُأَنْ يَفْعَلَ الطَّاعةَ بِدُونِ نَذْرٍ.
قوله: {وَيَخَافُونَيَوْمًاكَانَشَرُّهُمُسْتَطِيرًا} :فَمَعَ قِيَامِهِمْ بطاعة الله، يخافون يومًا تتقلَّب فيه القلوبُ والأبصارُ، وكان شرُّهُ منتشرًا.
يَوْمُ القيامة مِنَ النَّاس مَنْ كَفَرَ بِهِ وأَنْكَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ به ولم يستعدَّ له، ومنهم مَنْ آَمَنَ به وَقَالَ: إنِّي أَخَافُإِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عظيمٍ، و مستطيرًا أي: فاشيًا ومنتشرًا على النَّاس وظاهرًا للغاية، إلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهَ، وليس شَرُّهُ في مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، أو في وَقْتٍ خَاصٍّ.
قوله: {وَيُطْعِمُونَالطَّعَامَعَلَاحُبِّهِ} :أَيْ مَعَ حُبِّهِمْ له؛ إمَّا لحاجتهم إليه، وإمَّا جوعًا؛ لأنَّ هناك من يتصدَّق بطعامه بعد الشِّبَعِ، أو فَاسِدٍ أو رَدِيءٍ.
فهو يعطي تخلُّصًا، لا تقرُّبًا، ولا صَدَقَةً.
والأَصْلُ: {لَنتَنَالُواالْبِرَّحَتَّاتُنفِقُوامِمَّاتُحِبُّونَ} .
قوله: {مِسْكِينًا} هو الفَقِيرُ العَاجِزُ عن الاكتساب، أو لا يَجِدُ ما يَكْفِيهِ، أو عِنْدَهُ بَعْضُ الكِفَايَةِ.
و المسكينُ أَحْسَنُ حالًا من الفقير؛ لأنَّ الفَقِيرَ ليس معه شَيْءٌ، ولكن إذا أُطْلِقَ المسكينُ، دَخَلَ فيه الفقيرُ، إذا افترقا اجتمعا، و إذا اجتمعا افترقا، فَلِكُلٍّ حَدٌّ.
فَفِي الحَدِيثِ: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ» . متفق عليه.
قوله: {وَيَتِيمًا} :اليَتِيمُ هو مَنْ فَقَدَأَبَاهُ قَبْلَ بلوغه، وإذا بَلَغَ.
فَفِي الحَدِيثِ: «لَا يَتِمُّ بَعْدَ الاحْتِلامِ» رواه أبو داوود. لأنَّه بِحَاجَةٍ إلى مَنْ يَعُولُهُ أو يقوم عليه.
وإذا مَاتَأَبُوهُ ولم يَتْرُكْ لَهُ شَيْئًا، كان أَشَدَّ، وإذا تَرَكَ لَهُ شَيْئًا فهو بِحَاجَةٍ إلى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ.
قوله: {وأَسِيرًا} : الَّذي يُؤْسَرُ في الحَرْبِ من الكفَّار؛ لأنَّ المُسْلِمَ لا يُؤْسَرُ؛ فَيُحْسِنَ إلى الكافر.
وَكَمْ أُحْسِنَ إلى أَسِيرٍ فَكَانَ سببًا في إسلامه.
وفي قصَّة إسلامثمامةَ بْنِ أَثَالٍ سَيِّدِ أهل اليمامة حينما أَسَرَهُ الصَّحَابَةُ، وهو مُشْرِكٌ خَارِجًا للعُمْرَةِ، فَأَسَرُوهُ وَرَبَطُوهُ بساريةٍ مِنْ سَوَارِي المسجد.