فهرس الكتاب
فَخَرَجَ إليه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ماذا عِنْدَكَ يا ثمامةُ؟ فقال: عندي يا مُحَمَّدُ خَيْرٌ؛ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكرٍ، وإنْ كنتَ تريد المالَ فَسَلْ تُعْطَ منه ما شِئْتَ.
فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» . فَانْطَلَقَ إلى نَخْلٍ قريبٍ من المسجد، فَاغْتَسَلَ، ثمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فقال: أَشْهَدُ أن لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه". رواه مسلم."
قوله: {إِنَّمَانُطْعِمُكُمْلِوَجْهِاللَّهِ} :وَصَفَهُمُ اللهُ بالإخلاص، ولم يريدوا من المُطْعَمِينَ جَزَاءً ولا شكورًا.
قال ابنُ كَثِيرٍ نَقْلًا عن مجاهدٍ وابن جبيرٍ: «أَمَا واللهِ ما قالوها بألسنتهم، وَلَكِنْ عَلِمَ اللهُ ما في قلوبهم، فَأَثْنَى عليهم» . ولأنَّ التَّصْرِيحَ فيه أَذِيَّةٌ لَهُمْ.
قوله: {لَانُرِيدُمِنْكُمْجَزَاءًوَلَاشُكُورًا} : أي لا نريد جزاءً- أي عِوَضًا - ولا مُقَابِلًا، ولا شكورًا؛ أَيْ: مَدْحًا، ولا ثَنَاءً.
وَحُبُّ الظُّهور والمَدْحِ والثَّناء مَفْسَدَةٌ للأعمال أَيَّمَا مَفْسَدَةٍ، وَمِنْ عَلامَةِ الإخلاص كراهيةُ المَدْحِ والثَّناءِ.
قوله: {إِنَّانَخَافُمِنْرَبِّنَايَوْمًاعَبُوسًاقَمْطَرِيرًا} : علَّلوا سَبَبَإطعامهم ابتغاءَ مَرْضَاةِ الله وخوفًا من الله، وحتَّى يأمنوايومًا تَعْبَسُ فيه الوجوهُ مِنْ هَوْلِهِ وَشِدَّتِهِ، وَيَطُولُ بَلاءُأَهْلِهِ، وَيَشْتَدُّ.
و {قَمْطَرِيرًا} أَيْ: صَعْبًا وَشَدِيدًا؛ فهو أشدُّ الأيَّام وأطولُه في البَلاءِ والشِّدَّةِ.
قوله: {فَوَقَاهُمُاللَّهُشَرَّذَلِكَالْيَوْمِ} :أي صَانَهُمُ اللهُمِنْ شَدَائِدِ ذلك اليوم.
قوله: {وَلَقَّاهُمْ} : أَيْ أَعْطَاهُمْ.
قوله: {نَضْرَةًوَسُرُورًا} : نَضْرَةً في وجوههم، وسُرُورًا في قلوبهم؛ فالنَّضْرَةُ عِزُّ الظَّاهر وَجَمَالُهُ، وَالسُّرُورُ عِزُّ الباطن وَجَمَالُهُ.
بِخِلافِ الكفَّار؛ فَهُمْ في هَمٍّ وَغَمٍّ وَقَلَقٍ مع عبوسِ الوَجْهِ، فَجَمَعَ لهم ذِلَّةَ الظَّاهر، وَذُلَّ البَاطِنِ.
والفَرْقُ بَيْنَهُمَا العَمَلُ، فاختلف الجَزَاءُ بِحَسَبِ العَمَلِ.
قوله: {وَجَزَاهُمْبِمَاصَبَرُوا} : أَثَابَهُمْ وَأَدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ بِصَبْرِهِمْ.
ولا بُدَّ مِنْ أَنْوَاعِ الصَّبْرِ الثَّلاثة؛ فقد يَصْبِرُ بَعْضُهُمْ على طاعة الله، ولا يصبر عن مَحَارِمِهِ، ولا عن أَقْدَارِهِ المُؤْلِمَةِ.
فَمِنَ النَّاس مَنْ يَصْبِرُ على الخير، ولا يصبر على الشَّرِّ، يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ، فإذا أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ به، وَإِنْأَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ على وَجْهِهِ.
و قد ذَكَرَ اللهُ الصَّبْرَ في كِتَابِهِ في أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعًا، أَثْنَى على أَهْلِهِ، وأحبَّهم وَذَكَرَ مَعِيَّتَهُ لهم، وَحُسْنَ العَاقِبَةِ، وأجرًا مَفْتُوحًا.
والنَّصْرُ مع الصَّبر، وَثَمَنُ الصَّبْرِ في الآخرة دُخُولُ الجَنَّةِ، وكلُّها إِشَارَةٌ إلى أنَّ هذه الخَصْلَةَ لا تكون في عَبْدٍ إلاَّ حَازَ الخَيْرَ مِنَ اللهِ.
لمَّا ذَكَرَ اللهُ قِصَّةَ نُوحٍ، وما لاقاه من قومه، قال في نهاية القصَّة: {تِلْكَمِنْأَنبَاءِالْغَيْبِنُوحِيهَاإِلَيْكَ} .
والنَّتيجةُ: {فَاصْبِرْ إِنَّالْعَاقِبَةَلِلْمُتَّقِينَ} وَلَوْ فَكَّرَ النَّاسُ في الصَّبْرِ وَمَكَانَتِهِ، لَحَصَلَتْ لهم السَّعادةُ في الدُّنيا والآخرة.
والصَّبْرُ له مَرَارَةٌ، وله عواقبُأَحْلَى من العسل.
{وحَرِيرًا} أَيْ لِبَاسًا بَهِيًّا؛ فهو من أَلْيَنِ وَأَنْعَمِ وَأَطْيَبِ الملابس، وأحسنها مظهرًا.
قوله: {جَنَّةًوَحَرِيرًا} :الجنَّةُ نحن جميعًا مدعوُّونَ إلى جنَّةٍ عرضُها السَّماواتُ والأرضُ، يَدُومُ نَعِيمُهَا، وسُرورُها دَائِمٌللمؤمن، فيها خَيْمَةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا، له فيها أَهْلُونَ يُطَافُ عليهم، ليس بَيْنَهُمْ تَبَاغُضٌ».
نَعِيمُ الجنَّة على أَتَمِّ الوجوه، وَنَعِيمُهُمْ دَائِمٌ في جَمِيعِ الأوقات؛ فلا تَعْتَرِيهِم شِدَّةٌ، ولا آَفَةٌ مِنَ الآفات.