فهرس الكتاب
قوله: {وحَرِيرًا} : أَجْمَلُ نَعِيمِ الجنَّة، ثمَّ ذَكَرَ لِبَاسَهُمُ الحَرِيرَ؛ يَلْبَسُونَ أَفْخَرَ أنواع الأقمشة في لِينِهِ وَطِيبِهِ وَحُسْنِ مَظْهَرِهِ.
قوله: {مُتَّكِئِينَفِيهَاعَلَاالْأَرَائِكِ} :الاتِّكَاءُ يَدُلُّ على الرَّاحة، وهم جُلُوسٌ على الأَسِرَّةِ المُزَيَّنَةِ بفاخر الثِّياب والسُّتور، وَسُرُرُ الجنَّة عَالِيَةٌ، مصفوفةٌ، موضونةٌ. أَيْ: مَنْسُوجَةً بالذَّهب.
قوله: {لَايَرَوْنَفِيهَاشَمْسًاوَلَازَمْهَرِيرًا} :هَوَاءُ الجنَّة معتدلٌ؛ لأنَّ الحَرَّ والبَرْدَ كِلاهُمَا مُؤْذٍ، فَمَا أَحْلَى الجَنَّةَ!
نَفَى عَنْهُمُ الحَرَّ المُزْعِجَ، والبَرْدَ المُؤْلِمَ؛ لأنَّ اعْتِدَالَ الجوِّ مِنْ نَعِيمِ الجنَّة.
قوله: {وَدَانِيَةًعَلَيْهِمْظِلَالُهَا} : ظِلُّهَا دَائِمٌ، وَقَرِيبٌأَيْنَمَا كانوا؛ فهم مظلَّلون، فليس فيها شَمْسٌ.
{وَظِلٌّ مَمْدُودٌ} أي: لا نِهَايَةَ له؛ لأنَّ الجنَّةَ ليس فيها شَمْسٌ، بَلْ هِيَ ظِلٌّ، وَصَفَهَا بَعْضُ السَّلف بأنَّها كالنُّور الَّذي يكون قُرْبَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ تَجِدُ الأَرْضَ مَمْلُوءَةً نُورًا، وَلَكِنْ لا تُشَاهِدُ شَمْسًا.
فَهُوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ في المِسَاحَةِ والزَّمَنِ.
قال الضَّحَّاكُ: «الظِّلُّ هو ظِلالُ الأَشْجَارِ» .
وقيل: «ظِلٌّ يَخْلُقُهُ اللهُ» .
عِنْدَ عامَّة المفسِّرين ظلالُها هنا تعني ظلالَ أَغْصَانِ الأشجار، وَإِنْ كان لا شَمْسَ ولا قَمَرَ سَيَخْلُقُ لأَهْلِ الجنَّة ظلاًّ؛ زيادةً لهم في التَّنعُّم، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ شَمْسٌ ولا حَرٌّ يحتاجون معه إلى ما يُظِلُّهُمْ.
لكنَّ الكَرِيمَ - سبحانه - زِيَادَةً في التَّنعُّمفي «الصَّحِيحَيْنِ» عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم -قال: «إِنَّفِيالجَنَّةِلَشَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ، وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: {وظل ممدود} » .
وَسُئِلَ نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - عَنْ «طُوبَى» فَقَالَ: «شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْأَكْمَامِهَا» . رواهُأَحْمَدُ. وَعِنْدَ الطَّبريِّ: «وَتُخْرَجُ مِنْهَا الحُلَلُ والحُلِيُّ» .
وقال رَجُلٌ لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم: ثِيَابُ أَهْلِ الجنَّة خَلَقٌ يُخْلَقُ أَمْ نَسْجٌ يُنْسَجُ؟ فقال: «تَنْشَقُّ عَنْهَا ثِمَارُ الجَنَّةِ» . رواه أحمد و البزار و الطبراني.
وفي «المسند» جاء أَعْرَابِيٌّ فقال: فِيهَا فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَبِهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى شَجَرَةَ طُوبَى» . قال: أَيَّ شَجَرِأَرْضِنَا تُشْبِهُ؟ قال: «لَيْسَ شَبَهَ شَيْءٍ مِنْ شَجَرِأَرْضِكَ، وَلَكِنْ أَتَيْتَ بِلَادَ الشَّامِ؟» قال: لا. قال: «إِنَّ فِيهَا شَجَرَةً تُسَمَّى الجَوْزَةَ تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ تَتَفَرَّعُ ثُمَّ تَنْتَشِرُ ثُمَّ يَنْتَشِرُ أَعْلاهَا» .
قوله: {وَذُلِّلَتْقُطُوفُهَاتَذْلِيلًا} : أَيْ سُهِّلَتْ ثِمَارُهَا لمتناوليها، ومذلَّلةٌثِمَارُهَا قَرِيبَةٌ؛ إذا طَلَبَهَا أَوْ رَغِبَهَا على حسب الحاجة وهو جَالِسٌأَوْ قَاعِدٌ أو مُضْطَجِعٌ.
قوله: {وَيُطَافُعَلَيْهِمْبِآَنِيَةٍمِنْفِضَّةٍ} : أَيْ يَدُورُ عَلَيْهِمُ الخَدَمُ بِكُؤوسِ الشَّرَابِ.
فَفِي الجَنَّةِ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةُ الطُّعُومِ والمَشَارِبِ.
قوله: {بِآَنِيَةٍمِنْفِضَّةٍ} : أَوَانِي أَهْلِ الجنَّة مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، والسِّيَاقُ هنا فِضَّةٌ.
ويؤكِّد أنَّهم أَصْحَابُ اليَمِينِ؛ فَذَكَرَ مادَّةَ تلك الأواني من فِضَّةٍ بِصَفَاءِ الزُّجاجِ، وهذا مِنْأَحْسَنِ الأَشْيَاءِ وَأَعْجَبِهَا.
قوله: {وَأَكْوَابٍكَانَتْقَوَارِيرَا} :الأَكْوَابُ المُرَادُ بها الكُوزُ الَّذي لا أُذُنَ له، أو لا عَرَاوِيَ له؛ فَهِيَ فِي شَكْلِهَا وَصَفَائِهَا وَحُسْنِهَا على شَكْلِ قَوَارِيرَ مِنَ الزُّجاج، لكنَّها في الحقيقة فِضَّةٌ مَخْلُوقَةٌ للدَّوام لا تَنْكَسِرُ ولا تَنْثَلِمُ.
قوله: {قَدَّرُوهَاتَقْدِيرًا} :أي قدَّرها السُّقاةُ والخَدَمُ بِقَدْرِ رِيِّهِمْ؛ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ.
وهذا أَبْلَغُ في لذَّة الشَّراب.
قال مجاهدٌ: «فلا تَفِيضُ ولا تَغِيضُالجنَّةُ، ليس فيها إسرافٌ ولا تَبْذِيرٌ» .