فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 581

الامتحانُ بالسَّرَّاءِ أَشَدُّ من الامتحان بالضَّرَّاء؛ لأنَّ الضَّرَّاءَ كَثِيرًا ما تكون سببًا للانكسار، وَكَثِيرٌ من النَّاس تكون الضَّرَّاءُ سَبَبًا للجوئه إلى الله إلاَّ مَنْ فَجَرَ.

أمَّا نعمة السَّرَّاء فكثيرًا ما تكون سببًا للطُّغيان، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى} .

النَّاسُ في النِّعَمِ على أربعة أقسامٍ:

1 -منهم الَّذين يعرفون النِّعمة بزوالها، لا بوجودها؛ فما دام أحدُهم آمنًا في سِرْبِهِ، معافى في بدنه، لا يشكو مرضًا عضالًا، ولا ألمًا، فلا يحسُّ بهذه النِّعْمَةِ.

2 -يعرفون النِّعْمَةَ بوجودها، لكنَّهم يفخرون بها، ويتسوَّرون بها على عباد الله.

3 -ينشغلون بالنِّعْمَةِ عن شكرها، لم يستغلُّوها فيما يُنْجِيهِمْ بَيْنَ يدي الله.

5 -الَّذين يعرفون النِّعْمَةَ بوجودها، ويعرفون أنَّها من عند الله لا من تلقاء أنفسهم، ويستغلُّونها في مرضاة الله، وهؤلاء هم الشَّاكرون. وهم أقلُّ عباد الله، كما قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} .

-فَوَائِدُ: رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عن أَبِي نضرة قال: «كان المسلمون يَرَوْنَ أنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أن يحدَّث بها» . انتهى.

والتَّحْدِيثُ بالنِّعمة جائزٌ بشرط ألاَّ يكون محفوفًا برياءٍ، أو تفاخر، ٍ أو فيه كَسْرٌ للغير وَأَذِيَّةٌ له.

قيل لعليٍّ رضي الله عنه: حَدِّثْنَا عن نفسك، فقال: «مَهْلًا؛ فَقَدْ نَهَى اللهُ عن التَّزكية» .

ونبيُّنا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - قد تحدَّث عن نِعَمِ الله عليه فقال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرض يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْر» . عَنْأبي سعيدٍ، رواه أَحْمَدُ.

وتَحدُّثه - صلى الله عليه وسلم - بهذه النِّعمة العُظمى من غير فخرٍ ولا عُجْبٍ؛ فقال نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - متحدِّثًا بنعمة الله عليه، لا مفتخرًا بها.

وينبغي كِتْمَانُ النِّعمة وعدمُ التَّحدُّث بها إذا خشي الإنسانُ على نفسه الحسد والكَيْدَ مِنْ عَدُوٍّ حَاقِدٍ، أو صديقٍ حَاسِدٍ؛ فإنَّ لِكُلِّ نِعْمَةٍ حَاسِدًا على قَدْرها؛ دَقَّت أو جَلَّت، فليس هناك أَسْلَمُ مِنْ إِخْفَاءِ نِعْمَتِهِ عن الحاسد.

وقد قال يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ عليهما السَّلامُ: {لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} .

سُمِّيت بذلك؛ لافتتاحها بذلك.

هذه السُّورَةُ الجَلِيلَةُ العظيمةُتتحدَّث عمَّا امْتَنَّ اللهُ به على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بهذه النِّعَمِ العظيمة، فَشَرَحَ صَدْرَ رَسُولِهِأَتَمَّ الشَّرْحِ بِأَنْ وَسَّعَ له لِتَحَمُّلِأعباء الرِّسالة، وما يأتيه من الوحي، وَشَرَحَ صَدْرَهُ أيضًا لِتَحَمُّلِ ما يأتيه من النَّاس من الأذى، وَشَرَحَ صَدْرَهُ للهدى، ولكلِّ خَيْرٍ، وَوَضَعَ وِزْرَهُ كلَّ الوَضْعِ، فَكُلُّ مَنْ في السَّماوات والأرض يستغفرون له.

ثمَّ تحدَّثت السُّورةُ عن رَفْعِ ذِكْرِهِ كلَّ الرَّفْعِ في الدُّنيا والآخرة، ثمَّ خُتِمَتِ السُّورَةُبالتَّفَرُّغِ للعبادة والرَّغبة فيما عند الله.

ومتى قام بهذين الأَصْلَيْنِ، حَصَلَ له من الانشراح، ووضع الوِزْرِ، وَرَفْعِ الذِّكْرِ بِحَسَبِ مَا قَامَ، وَبُدِّلَ عُسْرُهُ يُسْرًا.

قوله: {أَلَمْنَشْرَحْلَكَصَدْرَكَ} :هذا استفهامٌ تقريريٌّ؛ لأنَّ الهَمْزَةَ للاستفهام، و «لم» للنَّفْيِ.

الاستفهامُ إذا دخل على النَّفْيِ قرَّره؛ يَعْنِي: صار بِمَعْنَى الإثْبَاتِ، والغرضُ منه التَّأكيدُ؛ أي: قَدْ وسَّعْنَا لك صدرَك؛ أَيْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ بالإيمان، وَنَوَّرَ قَلْبَهُ بالحكمة والقرآن.

وَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإسلام» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت