فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 581

وقال ابنُ كَثِيرٍ: «نَوَّرْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ فَسِيحًا رَحِيبًا وَاسِعًا» .

فَانْشِرَاحُ الصَّدْرِ عَلامَةٌ على الإيمان؛ فَمَنْ يُرِدِ اللهُأَنْ يَهْدِيَهُ؛ يَشْرَحْ صدرَه للإسلام، ومن شرح الله صدرَه؛ فهو على نُورٍ من ربِّه.

وفي الحديث: «إنَّ النُّورَ إذا دَخَلَ الصَّدْرَ، انْشَرَحَ» رواه الحاكم و البيهقي و فيه انقطاع.

وَضِيقُهُ عَلامَةٌ على الضَّلال؛ «وَمَنْ يُرِدْأَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا» .

فالشَّرْحُ شَرْحٌ مَعْنَوِيٌّ، وليس شرحًا حِسِّيًّا، فيكون متَّسعًا لحكم الله - عزَّ وجلَّ - بِنَوْعَيْهِ؛ حُكْمِ الله الشَّرعيِّ وهو الدِّينُ، وَحُكْمِ الله القَدَريِّ وهو المصائبُ الَّتي تَحْدُثُ على الإنسان.

والسَّبَبُأنَّ النَّفْسَ الأمَّارَةَ بالسُّوءِ تَجِدُ ثِقَلًا وَانْقِبَاضًا في تنفيذ أوامر الله وَنَوَاهِيهِ.

والنَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ تَجِدُ انْشِرَاحًا في تنفيذ الأوامر الشَّرعيَّة وَتَرْكِ النَّواهي.

فَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - بَلَغَ به الحَالُ إلى أَنْ جَعَلَ اللهُ الصَّلاةَ قُرَّةَ عَيْنِهِ، وَرَاحَةً لِقَلْبِهِ.

وهناك من يصلِّي فيريد أن يَتَخَلَّصَ من الصَّلاة.

وَشَرْحُ الصَّدْرِ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ، وَأَقْوَى عُدَّةٍ في تبليغ الدَّعوة، وَتَحَمُّلِ أعباء الرِّسالة، ولأنَّه به يُقَابِلُ كلَّ الصِّعَابِ.

-فائدة: شَرْحُ الصَّدْرِ نِعْمَةٌ كبرى؛ لأنَّه إذا انشرح صدرُه، فسوف يَجِدُ إقبالًا على طاعة الله - عَزَّ وَجَلَّ - وسوف يَجِدُ إقبالًا على مصالحه الدِّينيَّة والدُّنيويَّة، فَيُحْيِيَهُ اللهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَحَيَاةً مُسْتَقِرَّةً ليس فيها قَلَقٌ واضطرابٌ؛ فقد يُعْطَى البَعْضُ دُنْيَا عَرِيضَةً ولكن جَحِيمُهُ في قَلْبِهِ.

وَشَرْحُ الصَّدْرِ له أسبابٌ:

1 -توحيدُ اللهعَزَّ وَجَلَّ، فكلَّما عَظُمَ التَّوْحِيدُ، زَادَ الانْشِرَاحُ والانْبِسَاطُ.

وَمِنْأسباب الشَّرْحِ الإقبالُ عليه- سبحانه - وَتَعَلُّقُ القَلْبِ به، وَدَوَامُ ذِكْرِهِ وَمَحَبَّتِهِ.

2 -وَضِيقُ الصَّدْرِ لَهُأَسْبَابٌ، فمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصَّدْرِ الإِعْرَاضُ عن اللَّه -تعالى -وَتَعَلُّقُ القَلْبِ بِغَيْرِهِ، والغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ، وَمَحَبَّةُ سِوَاهُ.

من يتخبَّط في ظلمات الجَهْلِ والكفر؛ فلا سَعَادَةَ يَجِدُهَا، ولا طُمَأْنِينَةَ ولا انْشِرَاحَ في الصَّدر.

فهو - صلى الله عليه وسلم - في ذُرْوَةِ الكَمَالِ مِن شَرْحِ الصَّدْرِ، وَرَفْعِ الذِّكْرِ، وَوَضْعِ الوِزْرِ، ولأَتْبَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ نَصِيبِهِمْ مِنَ اتِّبَاعِهِ.

قوله: {وَوَضَعْنَاعَنْكَوِزْرَكَ} :خَفَّفْنَا عنك حِمْلَكَ.

وَقِيلَ: طَهَّرَكَ من الذُّنوب والأوزار؛ لأنَّ الوَضْعَ يَكُونُ لِلحَطِّ والتَّخْفِيفِ، ويكون للحَمْلِ والتَّثْقِيلِ، فإن عُدِّيَ بِعَنْ كان للحَطِّ، وَإِنْ عُدِّيَ بِعَلَى كان للحَمْلِ.

قوله: {وِزْرَكَ} :الوِزْرُ في اللُّغَةِ هو الثُّقْلُ أو المَلْجَأُ، وَسُمِّيَ الوَزِيرُ وَزِيرًا؛ لأنَّه يَتَحَمَّلُ ثِقَلَ أَمِيرِهِ وَشُغْلِهِ.

وَشَرْعًا: يُطْلَقُ الوِزْرُ على الذَّنْبِ، كما في الحديث: «وَمَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» رواه مسلم و النسائي.

لَفْظُ الوِزْرِ هُنَا أُطْلِقَ، ولم يُبَيَّنْ ما هو وما نَوْعُهُ، فاخْتُلِفَ فيه اختلافًا كثيرًا.

وقال ابنُ جَرِيرٍ وابْنُ كَثِيرٍ: «هو بمعنى: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تقدَّم من ذَنْبِكَ وما تأخَّر» .

واستدلُّوا أيضًا بقول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِصِدِّيقِ الأُمَّةِأَبِي بَكْرٍأَفْضَلِ الأمَّةِ على الإطلاق لمَّا طَلَبَ دُعَاءً فَأَرْشَدَهُ نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - فقال: «قُلِ اللَّهُمِّإِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ ... » الحَدِيث. متفق عليه.

وَقَالُوا: الوِزْرُ في حَقِّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِعْلُ خِلافِ الأَوْلَى؛ فَيُعْتَبَرُ وِزْرًا.

وَكَذَلِكَ الاجتهاداتُ الخاطئةُ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلُأسرى بدرٍ وقول الله تعالى له: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} .

وفي الحديث: «يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الخَطِيئَةِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى عِظَمِ مَنْ عَصَيْتَ» . لم أجده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت