فهرس الكتاب

الصفحة 431 من 581

والأَظْهَرُ والأقوى - والعلم عند الله - حَمْلُهَا على المعنى اللُّغَوِيِّ؛ أَيْ: خَفَّفْنَا عَنْكَ حَمْلَأَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وأداء الأمانة، وَنَصِيحَةِ الأمَّة.

شعورُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِعِظَمِ المَسْئُولِيَّةِأَثْقَلَ كَاهِلَهُ، وَتَحَمُّلُأَذَى المُعَارِضِينَ و المستهزئين به، وَعَدَمِ استجابتهم له، وَضَعْفِ أتباع، كلُّ هذا أَثْقَلَ كَاهِلَهُ.

ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في سورة «الإسراء» عن الإمام أحمد من حديث ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ فُظِعْتُ، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ، فَقَعَدْتُ مُعْتَزِلًا حَزِينًا، فَمَرَّ بِي أَبُو جَهْلٍ» .

فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ كَالمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهُ - صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ» . وَقَصَّ عليه الإِسْرَاءَ.

-فَائِدَةٌ: هذا يُشْعِرُنَا بأنَّ للذَّنْبِ ثِقَلًا على المؤمن يَنُوءُ به، ولا يُخَفِّفُهُ إلاَّ التَّوْبَةُ وَحَطُّهُ عنه.

قوله: {الَّذِيأَنْقَضَظَهْرَكَ} : أَيْ وَضَعَأثقالَ، ك وأزاح عنك الهمَّ الكبيرَ، وأتمَّ اللهُ عليه النِّعَمَ، وَوَضَعَ الأثقالَ عنه، وذلك بِكَثْرَةِ مَنْ آَمَنَ به، وَدُخُولِهِمْ في دين الله أفواجًا، وقوَّة أتباعه، وانمحاء الشِّرك والجاهليَّة من الجزيرة، وذلِّ أهلها بعد العزِّ، وانقيادهم بعد شدَّة الإيذاء.

فَبَعْدَ شرح الصَّدر، وتخفيف حمله؛ لكثرة من آمن به، رَفَعَ ذِكْرَهُ بعد ذلك.

وَبَيَّنَ اللهُأنَّهأعلى مَنْزِلَةَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَرَفَعَ مقامَه في الدُّنيا والآخرة.

قوله: {وَرَفَعْنَالَكَذِكْرَكَ} قَرَنَ اسْمَهُ - صلى الله عليه وسلم - مع اسم الله؛ فلا يُذْكَرُ اللهُ إلاَّ وَيُذْكَرُ مَعَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

قال قتادة: «رَفَعَ اللهُ ذِكْرَهُ في الدُّنيا والآخرة؛ فأمَّا في الدُّنيا، فلا يُذْكَرُ اللهُإلاَّوَيُذْكَرُ معه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فليس خطيبٌ، و لا مُتشهِّد، و لا صاحب صلاةٍ، ولا أذانٍ، ولا إقامةٍ إلاَّ وينادي: أشهدُ ألاَّ إلهَ إلاَّ اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله، على المنائر تصدح كلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ في كلِّ بلدٍ بأعلى صوتٍ.

ويذكر في كلِّ صلاةٍ، وفي كلِّ تَشَهُّدٍ فيها، وهذا يتكرَّر دائمًا؛ فلا نحتاج بعد ذلك إلى إحياء ذكرى نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - بالمولد ولا غيره؛ لأنَّ اللهَ تكفَّل برفع ذكر نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، فنكتفي بما شرع الله لنا، ونترك البدع الضَّالَّة.

فيذكر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كلَّما ذُكِرَ اللهُ، وله في الآخرة المقام المحمود الَّذي يحمده عليه الأوَّلون والآخرون، في كراماتٍ كثيرةٍ وفضائل عظيمةٍ».

قوله: {فَإِنَّمَعَالْعُسْرِيُسْرًا} :أي مع كُلِّ عُسْرٍ يُسْرٌ؛ فالشِّدَّةُأوَّلًا، ويصاحبه ويقارنه اليُسْرُ في أَيِّ أَمْرٍ؛ يَبْدَأُ الأَمْرُ صَعْبًا ثمَّ يَتَيَسَّرُ، فَمَهْمَا يَنْزِلُ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ من شدَّةٍ، يجعل اللهُ بَعْدَهُ فَرَجًا.

وَفِيهَا وَعْدٌ بِقُرْبِ الفَرَجِ، وَقُرْبِ النَّصْرِ على الأعداء؛ فإنَّ اللهَ قَرَنَ العُسْرَ مع اليُسْرِ؛ فهو يصاحبه.

فالعُسْرُ مَحْفُوفٌ بِيُسْرَيْنِ، يُسْرٍ قَبْلَهُ، وَيُسْرٍ بَعْدَهُ، فلن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ.

هذا كلُّه تَطْمِينٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمَّتُه تَبَعٌ له؛ أنَّه مهما اشتدَّأذى الكفَّار والمنافقين فإنَّه يزول وَيَعْقُبُهُ يُسْرٌ وَفَرَحٌ.

وهذا يقتضي أنَّ المسلمَ لا ييأس مهما اشتدَّ العُسْرُ؛ لأنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ.

خُتِمَتِ السُّورَةُ بِتَذْكِيرِ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - بواجب التَّفرُّغ لعبادة الله بعد انتهائه من تبليغ الرِّسالة.

قوله: {فَإِذَافَرَغْتَفَانْصَبْ} : تَوْجِيهٌ عامٌّ للأخذ بحظِّ الآخرة، بعد الفراغ من عمل الدُّنيا، ولا تقضي فَرَاغَكَ في اللَّهو واللَّعب؛ لأنَّ الفَرَاغَ نِعْمَةٌ فيستغلَّ الفراغَ فيما ينفع، فإذا فرغتَ من مشاغل الدُّنيا فَانْصَبْ لربِّك بالعبادة.

قوله: {وَإِلَارَبِّكَفَارْغَبْ} :هذا يفيد الحصرَ؛ أَيِ: اجْعَلْ رَغْبَتَكَ في الله، وهذا يقتضي التَّوحيدَ؛ لأنَّ الرَّغْبَةَ عِبَادَةٌ لا تُصْرَفُ إلاَّ لله.

وفيها إذا أَرَدْتَ حَاجَةً من ربِّك، فَقَدِّمْ عِبَادَةً بَيْنَ يَدَيِ المسألة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت