ثمَّ عَدَّدَ - سبحانه - نِعَمَهُ على نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَذَكَّرَهُ بما كان عليه في الصِّغَرِ، مِنَ اليُتْمِ، والفَقْرِ، وعدم العلم؛ ليستشهد بالحاضر الموجود على المترقَّب الموعود، فيطمئنَّ قَلْبُهُ وَيَنْشَرِحَ صدرُه.
قوله: {أَلَمْيَجِدْكَيَتِيمًافَآَوَى} :يُطْلَقُ الإِيوَاءُ هنا على الكَفَالَةِ، وكفاية الحاجة.
{و يَتِيمًا} بلا أمٍّ ولا أَبٍ؛ فَقَدْ مَاتَأبوه وهو في بَطْنِ أُمِّهِ، وماتت أمُّهُ وَعُمُرُهُ سِتُّ سَنَوَاتٍ، فَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ، ثمَّ مات جَدُّهُ، وَكَفَلَهُ عَمُّهُأَبُو طَالِبٍ، حتَّى أيَّدَهُ وَنَصَرَهُ بَعْدَ البَعْثَةِ.
وكان أبو طالبٍ سَاعَتَهَا مُشْرِكًا، لكنَّ اللهَ عَطَفَهُ عَلَيْهِ، فَحَمَاهُ اللهُ، وسخَّر له أبا طَالِبٍ؛ فآواهُ اللهُ وَآَوَى بِهِ.
قوله: {وَوَجَدَكَضَالًّافَهَدَى} : ليس المرادُ بالضَّلال هنا البَاطِلَ، وَلَكِنْ وَجَدَكَ جَاهِلًا بالشَّرع وبالوحي، لا تدري ما الكتاب، ولا الإيمان، فَعَلَّمَكَ مالم تَكُنْ تَعْلَمُ، حتَّى صار معلِّمَ البشريَّة، فهداه اللهُ وَهَدَى به.
قوله: {وَوَجَدَكَعَائِلًافَأَغْنَى} :أَيْ وَجَدَكَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاكَ اللهُ بما فتح عليك من البُلْدَانِ.
ففي الحديث وإسنادُه صَحِيحٌ عن ابن عمر بلفظ: «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعةِ بالسَّيفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْخَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» . ذكره الذَّهبيُّ في «السِّيَرِ» ، وَأَصْلُهُ في «صحيح البخاريِّ» .
كان نبيُّنا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - فقيرًا، فأغناه اللهُ بالفتوحات الإسلاميَّة، وفي المقابل مع كثرة ما أعطاه الله من الخيرات المادِّيَّة وغيرها، كانت مسئوليَّاتُهُ تِجَاهَ أُمَّتِهِ ومصالحها العامَّة والخاصَّة أَعْظَمَ، فخرج من الدُّنيا وَدِرْعُهُ مَرْهُونٌ، فلم تَكُنْ قِلَّةُ مَالِهِ أَخِيرًا عن فَقْرٍ، بل عن بَذْلٍ وَكَرَمٍ.
وفيها أنَّ الَّذي أَزَالَ عَنْكَ هذه النَّقَائِصَ سَيُزِيلُ عَنْكَ كُلَّ نَقْصٍ، والَّذي أَوْصَلَكَ إلى هذه النِّعَمِ، فَقَابِلْ نِعَمَهُ بالشُّكْرِ. فَأَغْنَاهُ اللهُ وَأَغْنَى به.
وَخُتِمَتِ السُّورَةُ بِأَمْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُقَابِلَ هذه النِّعَمَ بِشُكْرِهَا:
{فَأَمَّاالْيَتِيمَفَلَاتَقْهَرْ} : فَنَهَاهُ عَنْ قَهْرِ اليتيم، فكما آَوَاكَ، فَلا تَقْهَرِ اليَتِيمَ. أي: لا تُسِئْ مُعَامَلَتَهُ، بَلْأَكْرِمْهُ؛ فَاليَتِيمُ يَحْتَاجُ إِلَى حِفْظِهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَنَهَى عَنْ قَهْرِ اليَتِيمِ؛ لكثرة أسباب القهر.
{وَأَمَّاالسَّائِلَفَلَاتَنْهَرْ} : نَهَاهُ عَنْ نَهْرِ السَّائل، فكما أغناك، فلا تَرُدَّ سَائِلَ المال، وكما هداك، فلا تَرُدَّ سَائِلَ العلم. أَيْ: فلا تَزْجُرْ أَيَّ سَائِلٍ لِمَالٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ عِلْم، أو غيره، وَجُعِلَ مِنْ شُكْرِ الهداية التَّوْسِيعُ على السَّائلين؛ السَّائِلُ لَهُ حَقٌّ، ولو جاء على فَرَسٍ، والآيةُ عَامَّةٌ يَدْخُلُ فيها سَائِلُ المال وَسَائِلُ العِلْمِ؛ لأنَّإِكْرَامَ سَائِلِ العلم مَعُونَةٌ له على مَقْصِدِهِ، والرِّفْقَ بسائل العلم والاحتفاءَ به أولى وأحرى.
ولم ترد كلمة (تَنْهَرْ) في القرآن إلاَّ هنا وفي حقِّ الوَالِدَيْنِ؛ {وَلَا تَنْهَرْهُمَا} والجامعُ بينهما: وجودُ الضَّعف؛ فاحذر؛ مَنْآوى اليَتِيمَ، وَرَفَقَ بالسَّائل؛ يبشَّر بانشراح الصَّدر، وتيسير العسر.
قوله: {وَأَمَّابِنِعْمَةِرَبِّكَفَحَدِّثْ} : نَهَاهُ عن كَتْمِ النِّعَمِ؛ لذلك أَمَرَنَا اللهُ بذكر النِّعَم وَشُكْرِهَا.
وَهَذَا يَشْمَلُ النِّعَمَ الدِّينيَّة والدُّنيويَّة، ويتحدَّث بها شُكْرًا لله.
وفي الحديث: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آَدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» رواه مسلم.
وتَحدُّثه - صلى الله عليه وسلم - بهذه النِّعمة العُظمى من غير فخرٍ ولا عُجْب.
وَأَرْكَانُ الشُّكْرِ ثَلاثَةٌ؛ التَّحدُّثُ بها ظاهرًا، والاعتراف بها باطنًا، وصرفُها في طاعة مُسْدِيهَا وَمُهْدِيهَا سُبْحَانَهُ.
قال الإمامُ الغَزَالِيُّ رحمه الله: «مِحْنَةُ السَّرَّاءِ أَشَدُّ مِنْ مِحْنَةِ الضَّرَّاءِ» .