فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 581

يقول اللهُ تعالى: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا عَلَيْه} فحرَّفوه وضيَّعوه.

ويُؤْخَذُ منها التَّأَنِّي والتَّثَبُّتُ في تَلَقِّي العلم.

لِذَلِكَأَدَّبَ الرَّبُّ - تعالى - نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِتَرْكِ الاستعجال على تلقِّي الوحي، وهكذا ينبغيلطلبة العلم، ولسامعه؛ الصَّبر وعدم المقاطعة.

قوله: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} : ليس الأمرُ كما زعمتم- يا معشرَ المشركين- أَنْ لا بَعْثَ ولا جزاءَ، بل أنتم قومٌ تحبُّون الدُّنيا وزينتها؛ تحبُّون العاجلةَ، وما فيها من مَتَاعٍ وأموالٍ وأولادٍ؛ فرتَّب كلَّ ذمٍّ ووعيدٍ في هذه السُّورة على الاستعجال ومحبَّةِ العاجلةِ.

قوله: {وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ} : وتتركون الآخرةَ، والعملَ لها، ولا تستعدُّون لها.

فكثيرٌ من النَّاس لا يؤمنون بالآخرة، ولا يلتفتون إليها، وهناك من يؤمن بالآخرة، ولكنَّه مُنْشَغِلٌ عنها.

فَمَنِ اشْتَغَلَ بدنياه وَنَسِيَآَخِرَتَهُ، خَسِرَ الدُّنيا والآخرة، ومن عمل للآخرة؛ حَفِظَ الدُّنيا والآخرة؛ {وَمَنْأَرَادَالْآخِرَةَوَسَعَالَهَاسَعْيَهَاوَهُوَمُؤْمِنٌفَأُولَئِكَكَانَسَعْيُهُممَّشْكُورًا} ثمَّ بَيَّنَ حالَ النَّاس في الآخرة ما بين سعداءٍ وأشقياء.

قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} :وجوهٌ حَسَنَةٌ نَاعِمَةٌ؛ فوجوههم مضيئةٌ تتلألأ بالأنوار.

قوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} : هذه الآيةُ فيها نداءٌ صريحٌأنَّ اللهَ يُرى عيانًا بالأبصار يومَ القيامة، وهذا تفسيرُ النَّبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابه وأئمَّة الإسلاملهذه الآية.

فأطيبُ ما في الدُّنيا مَعْرِفَةُ اللهِ، وَأَطْيَبُ ما في الآخرة النَّظَرُ إلى الله؛ أَيْ: ترى ربَّها الَّذي كانت تَعْبُدُهُ، فيتجلَّى اللهُ لهم، فَيَرَوْنَهُ يَوْمَ القيامة عيانًابأبصارهم، لا يُضَامُونَ في رؤيته.

فأهلُ السُّنَّة يؤمنون بأنَّ اللهَ يُرَى في الآخرة، وفي الجنَّة، فيراه أهلُ الإيمان، ويحتجب عن أهل الكفر؛ لأنَّهم كفروا به في الدُّنيا، فَحُرِمُوا رُؤْيَتَهُ يَوْمَ القيامة رُؤْيَةَ تَنَعُّمٍ.

أمَّا أَهْلُ الإيمان فيرونه رؤيتَه حقيقةً، وفيها رَدٌّ على أهل الضَّلال حينما فسَّروا النَّظر بالانتظار؛ لأنَّ السُّنَّةَ النَّبويَّةَ قَطَعَتِ الأَمْرَ؛ «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ» متفق عليه. فَقَطَعَتِ الجِدَالَ.

قوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} : أَيْ وَوُجُوهٌ كالحةٌ وَعَابِسَةٌ وَمُسْوَدَّةٌ؛ لما يرون من العذاب، فَتَنْقَبِضَ وجوهُهم من الهَلَعِ والحُزْنِ والخَوْفِ.

قوله: {تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} : أي تتوقَّع أن يَنْزِلَ بها عَذَابٌ وعقوبةٌ في كلِّ لَحْظَةٍ؛ فهي خائفةٌ ومشفقةٌ من مصيبتها.

قوله: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} : لمَّا ذَكَرَ أَحْوَالَ القيامة، وما فيها من أَهْوَالٍ، ذَكَرَ المَوْتَ ونزولَه بالكافر؛ أي: إذا بَلَغَ الرُّوحُأَعَالِي الصَّدْرِ، وَبَلَغَتِ الحُلْقُومَ والتَّراقي.

والتَّرْقُوَةُ: هي العظامُ المحيطةُ بالعُنُقِ من الجِهَتَيْنِ؛ فهناك مَلائِكَةٌ، وهم أَعْوَانُ مَلَكِ الموت، تَسُوقُ الرُّوحَ من الجسم والعروق، حتَّى تَصِلَ إلى الحلقوم، فيقبضَها مَلَكُ الموت.

فالرُّوحُ: جِسْمٌ ينتقل من مكانٍإلى مَكَانٍ، فَتُجْمَعَ من تفاريق البَدَنِ حتَّى تبلغَ التَّراقي.

قوله: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} :الرُّقْيَةُأَمْرُ الطِّبِّ؛ أَيْ: هَلْ مِنْ رَاقٍ فَيَرْقِيَهُ أو يُدَاوِيَهُ أو يعالجَه؟ فقد نزل به أَمْرٌ عَظِيمٌ؛ لأنَّ الرُّقْيَةَ دَوَاءٌ رُوحَانِيٌّ عَظِيمٌ؛ ولهذا كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يرقي نفسَه.

وقيل: «معنى «رَاقٍ» : مَنْ يَذْهَبُ بِرُوحِهِ من الملائكة؟ العذاب أم الرَّحمة؟».

هذه الآَيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ يَأْسِهِ من نفسه، ويأس الحاضرين معه، وتحقُّق أسباب الموت، وأنَّه قد حضر.

قوله: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} :وَأَيْقَنَ المُحْتَضِرُأنَّهُ الفِرَاقُ للحياة؛ لِمُعَايَنَةِ ملائكة الموت.

هذا مشهد آَخِرِ يَوْمٍ للعبد في الدُّنيا، وأوَّلُ يَوْمٍ ?خرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت