فهرس الكتاب
وإقرارُه على نفسه لا يحتاج إلى شُهُودٍ؛ فلا يُقْبَلُ عُذْرُهُمع أنَّه يُوقَفُ على عَمَلِهِ من خيرٍ وَشَرٍّ، لكنهتشْهَدُ عَلَيْهِأَعْضَاؤهُ، فَيُخْتَمَ على فِيهِ، وَتَنْطِقَأَعْضَاؤهُ، فَيَشْهَدَ كُلُّ عُضْوٍ بما فعل.
وقيل: «على نَفْسِهِ بَصِيرٌ، لا يَخْفَى عليه ما عَمِلَهُوَفَعَلَهُ، وَمَا فَعَلَهُ هو يَعْلَمُهُ» .
وفيها أنَّ كَثِيرًا ما يعتذر الإنسانُ عن تَقْصِيرِهِ وأخطائه بِمَعَاذِيرَ مع إقرَارِ نَفْسِهِ بالخَطَأِ.
مَنْ أَبْصَرَ هذه الآَيَةَ عَلِمَ أنَّ الجوارحَ الَّتي يَعْصَى بها ليمتِّعَها ستكون شاهدةً عليه يَوْمَ العَرْضِ والحساب.
قوله: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} :لن تَنْفَعَهُ مَعَاذِيرُهُ، ولا يُقْبَلُ منه عُذْرٌ؛ لأنَّه أَقَرَّ على نَفْسِهِ؛ أي: لا يَنْفَعُهُ الاعتذارُ، وَلَوِ اعْتَذَرَ.
ولو جَاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يعتذر بها عن إجرامه، فإنَّه لا ينفعه ذلك.
فَلَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتِبٍ، لا يُوجَدُ بَعْدَ الموت اعْتِذَارٌ، أَوْ رَبِّ اغْفِرْ لي، فلقد انْقَطَعَ العَمَلُ، وانتقل إلى دار الحساب.
قوله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} : أَيْ لا تحرِّك لسانَك وَقْتَ نزول الوحي بواسطة جبريل - عليه السلام -، فهذا تَوْجِيهٌ من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أَثْنَاءَ نزول الوحي؛ كَيْفَ يَتَلَقَّى الوحيَ ويستقبله.
وكان سَبَبُهُ أنَّ نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - كان يخاف النِّسْيَانَ، فَيَعْجَلَ بالقرآن من قَبْلِ أن يُقْضَى إليه وَحْيُهُ.
فَبَيَّنَ اللهُ له ماذا يعمل عند نزول الوحي؛ «لا تُحَرِّكْ لِسَانَكَ بالقرآن وَقْتَ النُّزول» .
قوله: {لِتَعْجَلَ بِهِ} أَيْ: تَعْجَلَ بِحِفْظِهِ؛ أَيْ: بالقرآن. «مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَاإِلَيْكَ وَحْيُهُ» .
قوله: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} أي: لا تَخَفْ أَنْ يَضِيعَ؛ إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ في صَدْرِكَ، فلا يَضِيعَ مِنْهُ شَيْءٌ.
قوله: {وَقُرْآَنَهُ} :أي نيسِّر عليك قراءته.
قوله: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} :أي قَرَأَهُ عليك جبريلُ، فاستمع.
فَأَمَرَهُ أَنْ يُصْغِيَ لجبريل - عليه السلام - حتَّى ينتهيَ من الوَحْيِ.
قوله: {فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ} :ثمَّ اقْرَأْهُ كما أَقْرَأَكَ إِيَّاهُ.
فِيهَا أهمِّيَّةُ التَّأَدُّبِ عند سماع القرآن بالاستماع والإنصات، حتَّى ينتهي، وفيها أَكْبَرُ دَلِيلٍ على أنَّ القرآنَ مِنْ عِنْدِ اللهِ.
قوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} :و فيها قولان:
-القول الأول: أي تَفْسِيرَهُ وَتَوْضِيحَ معانيه وأحكامه بالوحي.
-القول الثَّاني: بالسُّنَّةُ، فَتَكَفَّلَ اللهُ لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بثلاثةٍ:
1 -جَمْعُهُ في صَدْرِهِ.
2 -أَنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ قِرَاءَتَهُ بلسانه.
3 -أن يبيِّن له معانيه وأحكامَه.
ولا يزال القرآنُ مَحْفُوظًا بحفظ الله مهما حاول أَعْدَاءُ الله؛ فهو مَحْفُوظٌ في الصُّدور، وَمَحْفُوظٌ في السُّطور.
وقد تكفَّل اللهُ بحفظ القرآن في حياته - صلَّى الله وعليه وسلَّم - وَبَعْدَ وَفَاتِهِ.
فاللهُ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ القرآن وَقْتَ نُزُولِهِ، وَوَقْتَ بَقَائِهِ في الأرض حتَّى يُرْفَعَ في آخر الزَّمان، فَيُمْحَى من الصُّدُورِ والكتب.
وحفظُه نِعْمَةٌ للمؤمن، وَحُجَّةٌ على الكافر، ومع شدَّة بُغْضِ الأعداء، وحرصهم على التَّلاعب بالقرآن، فما تركوا وسيلةً إلاَّ وفضحها اللهُ، وَسَيَبْقَى القرآنُ مَحْفُوظًا كما هو.
أمَّا الكُتُبُ السَّابِقَةُفَعَهِدَ اللهُ بِحِفْظِهَا للعلماء.