اللهُ - تعالى -أَخْفَى السَّاعَةَ؛ حَتَّى عَنِ المَلائِكَةِ والأَنْبِيَاءِ والرُّسُلِ، والكَافِرُ يسأل متى السَّاعة؟ لا ليستعدَّ لها، بل هومتعنِّتٌ ومستبعدٌ لها.
ولذلك بَيَّنَ اللهُ بَعْدَ هذه الآية متى يوم القيامة، وَأَخْبَرَ عن سوء حال من أَصَرَّ على فجوره ومعصيته، وكيف يكون حالُه إذا شَاهَدَ اليَوْمَ الَّذي كذَّب به.
قوله: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ} : يكون يوم القيامة إذا شَخَصَ البَصَرُ من شدَّة الأَهْوَالِ، فَصَارَ البَصَرُ لا يَرْجِعُ، ولو مجرَّد نَفَسٍ؛ فلا يرتدُّ إليهم طَرْفُهُمْ، وأفئدتُهم هَوَاءٌ، شاخصةٌ أبصارُهم، مهطعين إلى الدَّاعي، إذا بَرِقَ.
وَجَاءَ بفتح الرَّاء «بَرَقَ» ؛أَيْ: شَخَصَ وارْتَفَعَ، وَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ شِدَّةِ الأَهْوَالِ.
قوله: {وَخَسَفَ القَمَرُ} : أَيْ ذَهَبَ نُورُهُ وَذَهَبَ أَيْضًا ضَوْءُ الشَّمْسِ.
قوله: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} : أَيْ يَذْهَبُ ضَوْءُهُمَا، ويُكوَّرانِ وَيُلْقَيَانِ في البَحْرِ، فَتَكَونُ نَارُ اللهِ الكبرى، فتُلْقَى في النَّار، إمَّا وَقُودًا للنَّار، أو لِتَبْكِيتِ عَابِدِيهِمَا.
قوله: {يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} :أَيْ إِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الدَّوَاهِي العَظِيمَةُ، يَبْحَثُ الإِنْسَانُ الكافرُ عن المَفَرِّ مِنَ العَذَابِ.
قوله: {كَلَّا لَا وَزَرَ} : الوَزَرُ هو الحِصْنُ والمَلْجَأُ من جَبَلٍ، أو الحِصْنُ الحَصِينُ؛ أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ مَكَانٌ تَعْتَصِمُونَ فيه وَتَخْتَفُونَ.
ولكن يَوْمَ القيامة لا يَجِدُونَ مَلْجَأً؛ فلا يُوجَدُ مَلاذٌ ولا مَهْرَبٌ؛ لأنَّهم تَعَوَّدُوا في الدُّنيا عند الحوادث الهُرُوبَ.
قوله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} : أَيِ المُنْتَهَى. فلا يستطيع أن يَسْتَتِرَ أو يَهْرُبَ.
اللَّهمَّ أَحْسِنْ وِفَادَتَنَا إليك، يَوْمَ القُدُومِ عَلَيْك، نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَقْدُمَ عَلَيْكَ بِعَمَلِ سُوءٍ، أو خَاتِمَةِ سُوءٍ، وَأَمِتْنَا على صَالِحٍ زاكٍ ترضى به عنَّا.
وَعَلَيْهِ فالَّذي كَفَرْتَ به أو عَصَيْتَهُ، فأَنْتَ رَاجِعٌ إليه، وَوَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، ومُلاقٍ عَمَلَك، فيجب علينا الاستعدادُ للقاء الله.
سوف تَعُودُ الأرواحُ إلى الأجساد بعد فَنَاءِ الأجساد؛ لأنَّه ليس هناك دَارٌ يستعدُّ فيها غير الدُّنيا، وواللهِ لو تَحَقَّقَ ذِكْرُ الموت في قلوبنا، لما وَجَدْنَا لَذَّةَ الحياة.
إنَّ المَوْتَ رِحْلَةٌ، وَذَهَابٌ بلا عَوْدَةٍ، رِحْلَةٌ إلى حَيَاةٍأَبَدِيَّةٍ
ماذا يحصل للإنسان حِينَ القدوم على الله؟
قوله: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} : يُخْبَرُ الإنسانُ بِعَمَلِهِ، وَيُحَاسَبُ عليه؛ أَيْ: يُوقَفُ على عمله من خيرٍ وَشَرٍّ، ويُعْطَى كتابَه، ويحاسَب عليه.
قيل: «يُنَبَّأُ بِمَا قَدَّمَ مِنْ طَاعَةٍ وأخَّر من المعاصي» .
وقيل: «يُنَبَّأُ بما قَدَّمَ في أوَّل عُمُرِهِ وفي آَخِرِ عُمُرِهِ» .
وقيل: «ما قَدَّمَ في حياتهوما أَخَّرَهُ» .
قال سليمانُ بْنِ عبدالملك: «يَا أَبَا حَازِمٍ مَالَنَا نَكْرَهُ المَوْتَ؟»
قال: «لأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمُ الآَخِرَةَ وَعَمَّرْتُمُ الدُّنيا، فَكَرِهْتُمْ أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب» .
قال: «أَصَبْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ، فكيف القُدُومُ غدًا على الله؟»
قال: «أمَّا المُحْسِنُ فكالغائب يَقْدُمُ على أهله ضيفًا، وأمَّا المسيء فكالآبق يَقْدُمُ على مولاه مسيئًا» .
قوله: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} : أَيْ شَاهِدٌ وَحُجَّةٌ على نَفْسِهِ؛ فَتَشْهَدَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وأعضاءُه.