فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 581

قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} : أَنْكَرَ-سبحانه - على الإنسان ظَنَّهُ؛ أَيْ: أَيَظُنُّ وَيَعْتَقِدُ الكفَّارُأَنْ لَنْ نَجْمَعَ عظامَ الإنسان بَعْدَ مَوْتِهِ.

لَكِنِ اللهُ قَادِرٌ على جَمْعِ عظامه المُتَنَاثِرَة، ِ وإعادةِ اللُّحومِ المتمزِّقة، والشُّعور المتفرِّقة.

والأَمْرُ لا يقف عند جَمْعِ عِظَامِ الإنسان، بل إنَّ الإنسانَ إذا مات وأصبح ترابًا وَرَمِيمًا في القبر، يَفْنَى منه كلُّ شَيْءٍ إلاَّ عَجُبَ الذَّنَبِ، ومنه يركَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القيامة.

وإذا أراد اللهُ إخراجَ الوَرَى بعد الممات إلى المعاد الثَّاني، أَلْقَى على الأرض الَّتي هم تَحْتَهَا مَطَرًا غليظًا أبيضَ كالطَّلِّ، أو الظِّلِّ كَمَنِيِّ الرِّجال أَرْبَعِينَ يَوْمًا، حتَّى يكون الماءُ فَوْقَهُمْ اثني عَشَرَ ذراعًا، وَتَنْبُتُ منه أَجْسَادُ النَّاس كما تنبت الحَبَّةُ من حَمَأِ السَّيل.

ثمَّ يَنْفُخُ النَّافِخُ، فَتَعُودُ الأَرْوَاحُ إلى الأجساد الَّتي كانت تَعْمُرُهَا بالدُّنيافي أعظم و أبلغ اتِّصالٍ بما لا يكون معه انْفِكَاكٌ.

حَيَاةٌ دَائِمَةٌ؛ لا يقبل الجَسَدُ الانفكاكَ عن الرُّوح، ولا الرُّوحُ الانفكاكَ عن الجسد، وأرواحُ السُّعَدَاءِ في الجنَّة، وأرواحُ الأَشْقِيَاءِ في النَّارِ.

قوله: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} : أَيِ اللهُ قَادِرٌ على جَمْعِ عِظَامِهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهَا، فَأَخْبَرَ عن قُدْرَتِهِ على جمع العظام.

قوله: {نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} :قَوْلانِ:

-اللهُ قَادِرٌ أَنْ يُسَوِّيَ بَنَانَهُ، وَيَجْعَلَهَا مِثْلَ خُفِّ البعير؛ عُقُوبَةً له، فلا يَسْتَطِيعُأَنْ يَقْبِضَ أو يَأْخُذَ شَيْئًا.

هذه الأَصَابِعُ المختلفة والمتفرِّقة من عجائب قدرة الله، وبها تنتظم مصالحُ الإنسان بالأخذ والعطاء والقبض والبَسْطِ.

وقيل: «نُسَوِّي بَنَانَهُ؛ أَيْ: نُعِيدُأَصَابِعَهُ؛ البَنَانُ فِيهِ مَفَاصِلُ وَعُرُوقٌ، فإذا فَنِيَتْ، فاللهُ قَادِرٌ على إعادتهامع دقَّة خَلْقِهَا وَخَفَاءِ معالمها.

فَمَنْ قَدَرَأَنْ يجمع عظامَه الصَّغيرة، قَادِرٌ على جَمْعِ عظامه الكبيرة؛ فَمَنْ قَدَرَ على تسوية البنان، قَادِرٌ على تسوية بَقِيَّةِ الجسم.

فاللهُ لا يعجزه شيءٌ، وفيها بيانُ قُدْرَةِ الله - سبحانه وتعالى - في خَلْقِ الخَلْقِ، وَبَدِيعِ صُنْعِ الله الَّذي أَتْقَنَ كلَّ شَيْءٍ».

فاستدلَّ بقدرته- سبحانه - على جَمْعِ عِظَامِهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهَا، وهما وَجْهَانِ حَسَنَانِ.

قوله: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «هو الكَافِرُ يُكَذِّبُ بِيَوْمِ القيامة» .

وقيل: «أي يريد أن يَكْفُرَ وَيَسْتَمِرَّ على الكفر والمعاصي طُوَالَ بَقِيَّةِ عُمُرِهِ؛ فَعِنْدَهُأَمَلٌ طَوِيلٌ، وَاسْتِبْعَادٌ لِلبَعْثِ، فَيَتَمَادَى في عَمَلِهِ السَّيِّئِ، ولا يريد أن يَتُوبَ، بِسَبَبِ عَدَمِ الإيمان بالبَعْثِ؛ لذا فإنه يتمادى في غَيِّهِ وضلاله، فَيَفْجُرَأَمَامَهُ.

أَيْ يُؤَخِّرُ التَّوبة. والأَصْلُأنَّهُ يُبَادِرُ بها؛ لأنَّه لا يَدْرِي مَتَى يَحِلُّ الأَجَلُ.

فالَّذي يَتُوبُ عِنْدَ المَوْتِ أو يَمُوتُ وهو كَافِرٌ، فلا قِيمَةَ لِتَوْبَتِهِ.

فَأَخْبَرَ عن الحامل له على فُجُورِهِ بِسَبَبِ اسْتِبْعَادِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَوُقُوعِهِ.

لِذَلِكَأَنْكَرَ - سُبْحَانَهُ - عَلَيْهِ ظَنَّهُأنَّ اللهَ لايَجْمَعُ عِظَامَهُ؛ أَيْ: إِحْيَاءَهُ بعد مَوْتِهِ.

ثمَّ قَرَّرَ قُدْرَتَهُ عَلَى جَمْعِ عِظَامِهِ، ثمَّأَنْكَرَ عَلَيْهِ اسْتِبْعَادَهُ البَعْثَ.

قوله: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} :وهذا مَعْنَى تفسير {لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} سؤاله عن يَوْمِ القيامة، فيسألَ عن السَّاعة من باب التَّحدِّي والاستبعاد والإنكار للبعث؛ «متى يوم القيامة؟»

فيسأل عن السَّاعة مِنْ بَابِ التَّحدِّي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت