فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 581

ثمَّ ذَكَرَتِ السُّورَةُ انْقِسَامَ النَّاس في الآخرة إلى قسمين: أَبْرَارٍ، وَفُجَّارٍ، وبيَّنت مَآَلَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ {إِنَّالْأَبْرَارَلَفِينَعِيمٍ (13) وَإِنَّالْفُجَّارَلَفِيجَحِيمٍ} .

ثمَّ خُتِمَتِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ بِتَعْظِيمِ يَوْمِ الدِّينِ، وَهَوَّلَ اللهُ مِنْ شَأْنِهِ؛ فَهُوَ لا يتصوَّره عَقْلٌ، وَتُجَرَّدُ النُّفُوسُ يَوْمَئِذٍ مِنْ كُلِّ حَوْلٍ وَقُوَّةٍ؛ فلا أَمْرَ إلاَّ لله -تعالى- وَحْدَهُ.

اسْتَفْتَحَ اللهُ سُورَةَ الانفطار بذكر أَرْبَعَةِ مَشَاهِدَ بِدَايَةِ تدمير الكون:

-المشهدُ الأَوَّلُ: قوله: {إِذَاالسَّمَاءُانْفَطَرَتْ} :أَيِ: انْشَقَّتْ.

فالسَّمَاءُ مَبْنِيَّةٌ قَوِيَّةٌ مُحْكَمَةٌ، لَيْسَ فيها شُقُوقٌ، وهي مُسْتَوِيَةٌ، ولكن يأتي عليها يَوْمٌ تَتَشَقَّقُ وَتَنْفَطِرُ.

وهذا يدلُّنا على أنَّ السَّمَاءَ يَحْصُلُ لها تَغْيِيرٌ وَاخْتِلالٌ في نظامها؛ لأنَّه انتهى أَجَلُهَا الَّذي قَدَّرَهُ اللهُ.

-المَشْهَدُ الثَّاني: قوله: {وَإِذَاالْكَوَاكِبُانْتَثَرَتْ} أَيْ: تَسَاقَطَتْ، وَذَهَبَتْ، بَعْدَأَنْ كانت ثَابِتَةً في فَلَكِهَا تَسْبَحُ؛ لأنَّه انتهى أَجَلُهَا؛ فَتَسِيرُ الكواكبُ في غَيْرِ فَلَكِهَا.

سَبَبُ المَدِّ والجَزْرِ في البحار دَوَرَانُ القَمَرِ في منتصف الشَّهر حَوْلَ الأرض، فَكَيْفَ إذا خَرَجَتْ عَنْ مَدَارِهَا؟ ماذا يَحْدُثُ للبِحَارِ؟ تَنْفَجِرُ.

وَمِنْ هُنَا شُرِعَ لَنَا صِيَامُ مُنْتَصَفِ الشَّهْرِ -أَقْصِدُ الأيَّامَ البِيضَ - لأنَّ المَدَّ وَالجَزْرَ يَحْصُلُ في منتصف الشَّهر، واكتمالُ القَمَرِ من فورة الدَّم الَّذي تتسع به مجاري العروق، فَشُرِعَ الصَّوْمُ؛ لِتَضْيِيقِهَا على الشَّيطان؛ لأنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آَدَمَ مَجْرَى الدَّمِ.

ولذلك تَزْدَادُ الجَرِيمَةُ في منتصف الشَّهر؛ بسبب دَوَرَانِ القَمَرِ حَوْلَ الأَرْضِ، فَيَحْدُثَ اضْطِرَابٌ.

فَكَيْفَ إذا خَرَجَتْ هذه الكَوَاكِبُ عن مَجْرَاهَا؟ يَحْصُلُ تَدْمِيرٌ للكَوْنِ.

-المَشْهَدُ الثَّالِثُ: قوله: {وَإِذَاالْبِحَارُفُجِّرَتْ} : أي أَصْبَحَتْ بَحْرًا وَاحِدًا، وَاخْتَلَطَتْ، فأصبحت بحرًا واحدًا، عَذْبَهَا وَمَالِحَهَا.

ولذلك جَعَلَ اللهُ بَيْنَهَا حَوَاجِزُ، فإذا انتهى أَجَلُهَا، زَالَتِ الحَوَاجِزُ، واختلطت البحارُ، فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا.

-المشهد الرَّابع: قوله: {وَإِذَاالْقُبُورُبُعْثِرَتْ} الأَرْضُ مَلِيئَةٌ بالموتى؛ فَقَدْ مَلَأَتِ القُبُورُ الفِجَاجَ، وَلَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلاَّ اللهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

هَذِي قُبُورُنا تَمْلأُ الرُّحَبَ *** فَأَيْنَ القُبُورُ مِنْ عَهْدِ عَادِ.

خَفِّفِ الوَطْءَ مَا أَظُنُّ أَدِيْمَ الـ *** أَرْضِ إِلاَّ مِنْ هَذِهِ الأَجْسَادِ

لَكِنْ سَيَأْتِي يَوْمٌ تُبَعْثَرُ القُبُورُ، وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا أَحْيَاءً.

ما هي النَّتيجةُ؟ فَكَلِمَةُ «إذا» أَيْ: إِذَا حَصَلَ كَذَا. فماذا يحصل بَعْدَهَا؟

إذا حَصَلَتْ هَذِهِ الأَهْوَالُ يَعْقُبُ قِيَامَ السَّاعَةِ بَعْثُ المَوْتَى للحساب والجزاء.

هُنَالِكَ {عَلِمَتْنَفْسٌمَاقَدَّمَتْوَأَخَّرَتْ} مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.

سَبَبُ بَعْثِهِ حِسَابُهُ؛ فَفِي الحديث: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» رواه مسلم. فَيُبْعَثُ على مَا كَانَ عَلَيْهِ في الدُّنيا، وَبَعْدَهَا الحِسَابُ.

فَمَنْ قَدَّمَ لِنَفْسِهِ الأعمالَ الصَّالحةَ وَجَدَهَا، وَمَنْ تَرَكَ خَلْفَهُآثارًا طَيِّبَةً، من بناء مسجدٍ، أو صدقةٍ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ، لَحِقَهُأَجْرُهَا.

وَمَنْ عَمِلَ السَّيِّئَاتِ، وَتَرَكَآثارًا من المعاصي، لحقه وزرها، فكما قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِآَدَمَأَنْ يَمُوتَ، وَتَمُوتَ مَعَهُ ذُنُوبُهُ؛ فلا يترك خَلْفَهُ معاصيَ يَلْحَقُهُإِثْمُهَا» .

إِنَّ العَبْدَ إذا خَرَجَ من الدُّنيا لا يَنْتَهِي الأَمْرُ بالمَوْتِ؛ لابُدَّ من الحساب.

-الموقف الثَّالثُ في السُّورة: بَعْدَ ذِكْرِ مقدِّمات السَّاعة، والموقف الثَّاني يعقبه الحسابُ والجزاءُ، جاء المَوْقِفُ الثَّالِثُ، سُؤَالٌ مُوَجَّهٌ لكلِّإِنْسَانٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت