فهرس الكتاب
وأيضًا يأخذ حقَّه كاملًا يَوْمَ القيامة، لا يأخذ من المال أو الأرض، بل يأخذ من الحسنات، و في الحديث: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي أَعْبُدًا يشتمونني ويُؤْذُونَنِي فأضربَهم، فقال الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كَانَ ضَرْبُكَ لَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ شَتْمِهِمْ، فَسَوْفَ يَأْخُذُونَ مِنْ حَسَنَاتِكَ» . رَوَاهُأَحْمَدُ.
ولذلك بَدَأَتْ سُورَةُ المطفِّفين بتهديدٍ يخلع القلوب؛ وَيْلٌ للنَّاقِصِينَالنَّاسَ في الكَيْلِ والمِيزَانِ.
سورتان في القرآن بدأت بـ «الوَيْلِ» : {وَيْلٌلِلْمُطَفِّفِينَ} ، {وَيْلٌلِّكُلِّهُمَزَةٍلُّمَزَةٍ} الأولى في أموال النَّاس، والثَّانية: في أعراض النَّاس، فاحذرهما.
وكلمةُ {وَيْلٌ} كَلِمَةُ عَذَابٍ؛ فَلَهُمْ عَذَابٌ في الدُّنيا، وَلَهُمْ عَذَابٌ في الآخرة.
قوله: {وَيْلٌلِلْمُطَفِّفِينَ} هو البَخْسُ والتَّنْقِيصُ.
قوله: {الَّذِينَإِذَااكْتَالُواعَلَاالنَّاسِيَسْتَوْفُونَ} «على النَّاس» تَدُلُّ على العُلُوِّ.
أَحْسَنُ تَعْبِيرٍ عن المطفِّفين؛ إذا اكْتَالَ لِنَفْسِهِأَكْمَلَهُ، وَيُوَفِّي لِنَفْسِهِ، وإذا كَالَ لِغَيْرِهِ يَنْقُصُهُ وَيَظْلِمُهُ.
فَكَيْفَ بِمَنْ يَسْرِقُ، ويختلس، ويبخس النَّاسَ حقوقَهم؟ فصاحبُه يكيل بِمِكْيَالَيْنِ، إنسانٌ غشَّاشٌأَنَانِيٌّ.
قَدِمَ نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - المَدِينَةَ وَهُمْ مِنْأَبْخَسِ النَّاس كيلًا، فَأَنْزَلَ اللهُ هذه السُّورَةَ، فصاروا من أحسن النَّاس كيلًا.
يَجِبُ على التَّاجر أَنْ يُعَوِّدَ نفسَه على الأمانة وعلى الصِّدق؛ ففي الحديث: «فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا، مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» . متَّفقٌ عليه.
نَعَمْ. المَالُ يَجْعَلُ الإنسانَ يَضْعُفُأمامَه، ولا يخشى اللهَ، وهناك من يطفِّف في الأشياء المعنويَّة؛ في الصَّلاة، الصِّيام، الزَّكاة، الحجِّ، المَدْحِ، الذَّمِّ.
وممَّا يُذْكَرُأنَّ شاعرًا مَدَحَ أَحَدَ الولاة، فَبَالَغَ في مَدْحِهِ وَرَفْعِهِ فَوْقَ قَدْرِهِ، وَبَعْدَ مُدَّةٍ غَضِبَ منه، فَنَظَمَ فيه قصيدةً وبالغ في ذَمِّهِ، فكلَّمه بَعْضُ النَّاس في ذلك، وقال: كيف تَمْدَحُهُ ثمَّ تَذُمُّهُ؟
فقال الشَّاعر: أنا إذا رَضِيتُ فقلتُ فيه خَيْرَ ما أعلم، وإذا غَضِبْتُ قُلْتُ فيه أَسْوَأَ ما أعلم.
فَأَسَاءَ حِينَ رَضِيَ، ولم يُحْسِنْ حِينَ غَضِبَ.
الإسلامُ وجَّهنا أَنْ نكونَ عَادِلِينَ مع من نُحِبُّ، ومع من نَكْرَهُ. مثل من قال: أَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الحقِّ في الغضب والرِّضا؛ لأنَّ البَعْضَ إذا رَضِيَ، أَدْخَلَهُ رِضَاهُ في الباطل، وإذا غَضِبَ، أَخْرَجَهُ غَضَبُهُ من الحقِّ.
فَفِي الحديث: «مَنْ أَحَبَّأَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآَخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّأَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» . رواه مُسْلِمٌ.
التَّطْفِيفُ يكون في كلِّ شَيْءٍ، لكنَّه ظَاهِرٌ في الكيل والميزان.
التَّطْفِيفُ لا خَيْرَ فيه، و لا يَزُولُ التَّطْفِيفُ إلاَّ بالمُعَالَجَةِ.
الحَيَاةُ تَقُومُ على التَّعَوُّدِ والتَّمْرِينِ، فعَوِّدْ نَفْسَكَ على عدم الغِشِّ، وعلى مواجهة الحقيقة.
عوِّد نفسك بالخير، تَحْظَ به، و أما الصِّفاتُ البَطَّالَةُفحاول تخفيفها.
اللهُ - تعالى - لمَّا حرَّم الخَمْرَ تَدَرَّجَ فيها؛ لأنَّ النَّاسَ الَّذين نَزَلَ عَلَيْهِمُ القُرْآَنُ كانوا متشبِّثين بها.
فحاله حين يشربها: ونشربها فتتركنا ملوكًا
و حاله إذا أفاق من سكره: فإذا صحيتُ فأنا ربُّ الشَّاةِ والبَعِيرِ
فَأَوَّلَ شَيْءٍ قال في الخَمْرِ: {تَتَّخِذُونَمِنْهُسَكَرًاوَرِزْقًاحَسَنًا} . فَجَعَلَ السُّكْرَ مُقَابِلَ الرِّزْقِ الحَسَنِ؛ إشارةٌ خَفِيَّةٌإلى أنَّه ليس رزقًا حسنًا، ثمَّ قال: {وَإِثْمُهُمَاأَكْبَرُمِننَّفْعِهِمَ} ، ثمَّ قال: {لَاتَقْرَبُواالصَّلَاةَوَأَنتُمْسُكَارَى} ، ثمَّ قال: {فَاجْتَنِبُوهُ} .
خطورةُ التَّطفيف أَنْ يُصْبِحَ صاحبُه مدمنًا، وَأَخْطَرُ شَيْءٍأن تفعل شيئًا أنت لا تَرْضى عنه، غَيْرَ مُقْتَنِعٍ بصحَّته، فيؤنِّبَك ضميرُك، وينعكس عليك.