فهرس الكتاب
لا تعمل إلاَّ ما تؤمن به وبصحَّته، أنت مقتنعٌأنَّ هذا الشَّيْءَ خَطَأٌفلا تفعله، وَكُنْ مَعَ مَنْ تَكُونُ.
و إذا كان العَمَلُ صَحِيحًا افْعَلْهُ.
الكفَّارُ مَنَعُوا الضَّرب؛ لأنَّهم أخذوا آلاف الطُّلاَّب، وضربوا بعضهم، وتركوا البعض الآخر، فوجدوا أنَّالذي ضُرب تحصل له مشاكلٌ نفسية عديدة، و هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ضرب أَحَدًا بيده قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، و قد خَدَمه أَنَسٌ عَشْرَ سَنَوَاتٍ ما ضَرَبَهُ، وعِنْدَهُ تِسْعُ زَوْجَاتٍ ما ضَرَبَ واحدةً منهنَّ قط، لذلك فالتَّربية تعوُّدٌ على الخير والفضيلة؛ و التَّطْفِيفُ غِشٌّ وخيانةٌ، ولا يجوز، وَهُوَ دَلِيلٌ على ضَعْفِ الإيمان. فَفِي الحديث: «لا يُؤْمِنُأَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» متفق عليه.
فهل الَّذي طَفَّفَ يُحِبُّ لأخيه مِثْلَ نَفْسِهِ؟
وأيضًا دُعَاؤهُ مَا يُقْبَلُ، وَعِبَادَتُهُ في خَطَرٍ مِنْجهة القَبُولِ.
قوله: {أَلَايَظُنُّأُولَئِكَأَنَّهُمْمَبْعُوثُونَ} : تَعَجَّبَ اللهُ ممَّن يطفِّف، وكأنَّه ليس هناك حِسَابٌ، وكأنَّه لا ينتظرهم يَوْمُ البَعْثِ.
ألا يَخَافُأولئك مِنْ يَوْمِ القِيَامَةِ؟ فَمَنْ يَغِشُّ وَيَتَنَقَّصُ فَلَهُ عُقُوبَةٌ شَدِيدَةٌ.
بَشِّرْ مَنْ يَغِشُّ بِنَارِ جَهَنَّمَ، وَيَأْخُذُ الغرماءُ مِنْ حَسَناتِهِ، و هنا توعَّدهمُ اللهُ بِيَوْمِ البَعْثِ؛ لأنَّ مَنْ عَرَفَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَهْوَالَهَا، صَغُرَتِ الدُّنْيَا في عَيْنَيْهِ.
لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. مَا أَبْلَغَ هذا الكَلامَ وَأَشَدَّهُ! ألا يَظُنُّأولئك أنَّهم مَبْعُوثُونَ؟
تَوَعَّدَهُمُ اللهُ بأنَّ البَعْثَ و الحساب قَادِمٌ، ألا يَعْتَقِدُ هؤلاء أنَّهم مبعوثون مِنْ قُبُورِهِمْ للحساب، لكن يغيب الإيمانُ بالحساب عِنْدَ غَلَبَةِ الطَّمَعِ.
سوف تُرَدُّ حقوقُهم يَوْمَ البعث، لكن أَتُرَدُّ مالًا؟ أيأخذون من حسناته؟ وربَّما لا يبقى شَيْءٌ. خَسِرُوا أعمالَهم، مَبْعُوثُونَبلا شَيْءٍ.
قوله: {لِيَوْمٍعَظِيمٍ} :خَطِيرٍ. {وَاتَّقُوايَوْمًاتُرْجَعُونَفِيهِإِلَااللَّهِ} .
{يَوْمَيَقُومُالنَّاسُلِرَبِّالْعَالَمِينَ} : أي يَقُومُونَ مِنْ قبورهم للحساب ولقاء الله.
يومَ القيامة يقوم النَّاس كلُّهم، حتَّى لو كان العبدُ مشلولًا، فاللهُ يقيمه على قَدَمَيْهِ، وهي من أَشَدِّ العرصات.
يَوْمُ القيامة ليس يَوْمَ تَفَاضُلٍ ولا مُنَازَلاتٍ، سَاعَةُ القيام سَاعَةٌ تَطِيشُ فيها العقولُ، وتتقلَّب فيه القلوبُ والأبصارُ، وَيَعْظُمُ فيه الكَرْبُ، يَوْمٌ لا جُلُوسَ فيه، وهذا حَالُ الكافر والفاجر.
أمَّا حَالُ المؤمن فتمرُّ عليه هذه المُدَّةُ الطَّوِيلَةُأَخَفَّ مِنْأَدَاءِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، عندها تقول: يا لَيْتَنِي كنتُ مؤمنًا.
خَوَّفَ اللهُ المطفِّفين بالبعث والحساب، وأنَّه يجب عليهم التَّوْبَةُ والنَّدَمُ قَبْلَ يوم الحساب.
الحَمْدُ لله، نَحْنُ لازِلْنَا في الدُّنيا، من عِنْدَهُ مظلمة لأخيه فَلْيَتُبْ منها، و ليرد الحقوق لأصحابها.
المشكلةُفيمن مات ولم يَتُبْ، فقد كُفَّتْ يَدُهُ عن العمل، وَشَاهَدَ الحَقِيقَةَ.
قسَّم الله الناسإلى قِسْمَيْنِ؛ فُجَّارٍ وَأَبْرَارٍ.
أمَّا الفُجَّارُ: فقوله: {كَلَّاإِنَّكِتَابَالْفُجَّارِ} :هنا ذَكَرَ مَوْضِعَ كِتَابِ الفجَّار، وأنَّه مَكَانٌ ضَيِّقٌ، وفي أسفل سافلين، وفيه من السَّفَالِ والضِّيقِ ما لا يُوصَفُ.
قوله {كَلَّا} :ليس الأَمْرُ كما يزعمون أنَّه لا بَعْثَ.
فَأَخْبَرَ - سبحانه -أنَّ كِتَابَ الفجَّار - أي ما كُتِبَ من أعمال الفجَّار - مُثْبَتٌ في كِتَابٍ جَامِعٍ لأعمال أَهْلِ الشَّرِّ.
قوله: {لَفِيسِجِّينٍ} :مِنَ السَّجْنِ والضِّيقِ والسَّفال؛ فهو مَكَانٌ ضَيِّقٌ وَحَبْسٌ وَشِدَّةٌ، وفيه مِنَ الضِّيقِ والشَّرِّ والنَّار ما لا يعلمه إلاَّ اللهُ.
تصوَّر سِجْنًا وَسِجِّينًا بالنَّار، وكيف يكون حالُهم والأغلالُ في أعناقهم، والسَّلاسل مُقَيَّدُون ومكبَّلون في النَّارِ بها؟