فهرس الكتاب
سِجِّينٌ: إمَّا سِجْنٌ وَمَكَانٌ ضَيِّقٌ، أو توابيتُ تحت الأرض السُّفْلَى.
قوله: {كِتَابٌمَرْقُومٌ} :أَيْ مَكْتُوبٌ كِتَابَةً حَقِيقَةً، أو مَسْطُورٌ بِخَطٍّ واضحٍ، أو مَخْتُومٌ لا يُزَادُ فيه، ولا يُنْقَصُ، ولا يُغَيَّرُ، ولا يُمَزَّقُ.
كِتَابٌ مُلازِمٌ لِصَاحِبِهِ، وَمَحْفُوظٌ، ولا يَضِيعُ مِنْهُ شَيْءٌ.
فَأَرْوَاحُ الكُفَّارِ، وَكِتَابُ أعمالهم في سِجِّينٍ، وَسِجِّينٌ من السَّفال والضِّيق.
وَذِكْرُ المَوْضِعِ دَلِيلٌ على خَسَاسَتِهِمْ، وأنَّه مَنْزِلُ هَوَانٍ وَذِلَّةٍ.
قوله: {وَيْلٌيَوْمَئِذٍلِلْمُكَذِّبِينَ} :وَعِيدٌ من الله للمكذِّبين.
قوله: {الَّذِينَيُكَذِّبُونَبِيَوْمِالدِّينِ} :هنا بَيَّنَ موضوع التَّكذيب، وَحَقِيقَةَ المكذِّبين؛ يكذِّبون بيوم البعث والحساب.
قوله: {وَمَايُكَذِّبُبِهِإِلَّاكُلُّمُعْتَدٍأَثِيمٍ} :مُعْتَدٍ أَيْ: ظَالِمًا. وَأَثِيمٌ: كَثِيرُ العِصْيَانِ.
قوله: {إِذَاتُتْلَاعَلَيْهِآَيَاتُنَاقَالَأَسَاطِيرُالْأَوَّلِينَ} :لا يُصَدِّقُ بالقرآن، يقول عنه أنَّه أكاذيبُ الأوَّلِينَ.
قوله: {كَلَّابَلْرَانَعَلَاقُلُوبِهِمْمَاكَانُوايَكْسِبُونَ} : {كَلَّا} أَيْ لَيْسَ الأمرُ كما يَزْعُمُ هؤلاء أنَّ القرآنَ أكاذيبُ الأوَّلين.
قوله: {بَلْرَانَ} الرَّيْنُ هو غلافٌ على القَلْبِ، أَوْ حِجَابٌ كَثِيفٌ يَمْنَعُ القَلْبَ مِنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ، والانْقِيَادِ له.
وَسَبَبُهُ الذُّنُوبُ؛ فَمَهْمَا سَمِعَ من القرآن لا يتأثَّر؛ فَارْحَمْ نَفْسَكَ من المعاصي؛ فمن عَصَى اللهَ فَسَدَ قَلْبُهُأصلًا، فَهُوَ وإن تَابَ تَبْقَى آَثَارُ تِلْكَ المعاصي في القلب.
الذُّنُوبُ تُؤَثِّرُ في القلب؛ فقد يَعْمَى، وَقَدْ يَمْرَضُ، وَقَدْ يموت.
قال الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: «الذُّنُوبُ تَمْنَعُ رُؤْيَةَ الحقِّ» . وتلا هذه الآيَةَ: {كَلَّابَلْرَانَعَلَاقُلُوبِهِمْمَاكَانُوايَكْسِبُونَ} .
فينبغي للإنسان أَنْ يُكْثِرَ من الاستغفار عندما تَنْزِلُ عليه حَادِثَةٌ، أو فُتْيَا، أو حُكْمٌ قضائيٌّ.
الرَّيْنُ هو أَنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ بِسَبَبِ الذُّنوب، وهو غِطَاءٌ على القلب، فلا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، فيلتبس عليه الحَقُّ بسبب الإصرار على المعاصي.
ففي الحديث: «إِنَّ المُؤْمِنَ إذا أَذْنَبَ ذنبًا، كانت نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ في قلبه، فإن تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ سُقِلَ مِنْهَا قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ حتَّى يَعْلَقَ بِهَا قَلْبُهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللهُ في كتابه: {كَلَّابَلْرَانَعَلَاقُلُوبِهِمْمَاكَانُوايَكْسِبُونَ} » رواه الترمذي و المنذري و صححه الألباني.
فالذَّنْبُ على الذَّنب على الذَّنب حتَّى يَسْوَدَّ القَلْبُ، وإذاأَصْبَحَ القَلْبُأَسْوَدَ كَيْفَ يرى الحقَّ، مثل المرآة لو اسْوَدَّتْ أَوِ اتَّسَخَتْ؟
كَذَلِكَ القلبُ إذا عَمِيَ كَيْفَ يُبْصِرُ الحقَّ؟
الصَّحَابَةُبِسَبَبِ مَعْصِيَةٍ وَاحِدَةٍ استزلَّهم الشَّيْطَانُ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَسَلَّطَ عليهم، فكيف بمن عنده معاصٍ كثيرةٌ.
وسببُ وقوعهم في المعاصي عَدَمُ الإيمان باليوم الآَخِرِ؛ فَلَوْ آَمَنُوا بالبَعْثِ، ما فَعَلُوا ما فَعَلُوا من الكُفْرِ والمعاصي.
قَوْمُ شُعَيْبٍ لم يَكُنْأَصْلُ مَعْصِيَتِهِمُ التَّطْفِيفُ فَقَط، بَلْ بِسَبَبِ كفرهم باليوم الآخِرِ؛ حَمَلَهُمْ على التَّطْفِيفِ؛ ولذلك بيَّن اللهُ مع كُفْرِ الأُمَمِ السَّابقة بَعْضَ مَعَاصِيهِم، فالَّذي منعهم من الإيمان ما غطَّى قلوبَهم من الذُّنوب والمعاصي.
قوله: {كَلَّاإِنَّهُمْعَنْرَبِّهِمْيَوْمَئِذٍلَمَحْجُوبُونَ} : {كَلَّا} أَيْ: ليس الأَمْرُ كما يزعم هؤلاء أنَّ القُرْآَنَأَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ.
وَتَوَعَّدَهُمْ وَجَمَعَ عَلَيْهِمْ نَوْعَيِ العَذَابِ؛ عَذَابَ الحِجَابِ، فلا يَرَوْنَ اللهَ يَوْمَ القيامة.
قال الشَّافعيُّ: «هَذِهِ الآَيَةُ دَلِيلُ رُؤْيَةِالمؤمنين لربِّهم يَوْمَ القيامة، يَرَوْنَهُ عَيَانًا بأبصارهم، وَيَتَجَلَّى لهم، وَتَقَرُّأَعْيُنُهُمْ بذلك» .
فَأَعْظَمُ دَافِعٍ في الحياة، وَأَعْظَمُ لَذَّةٍ في الجنَّة، أن ترى اللهَ وَتُكَلِّمَهُ ويكلِّمَك؛ أَنْ يُقْبِلَ عليك وهو يضحك.
ورؤيةُ الله أَعْظَمُ مِنْ نَعِيمِ الجنَّة؛ {وُجُوهٌيَوْمَئِذٍنَّاضِرَةٌ (22) إِلَارَبِّهَانَاظِرَةٌ} .