فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 581

أمَّا {وُجُوهٌيَوْمَئِذٍنَّاضِرَةٌ} أَيْ: من الحُسْنِوالنَّظْرَةِ إلى ربِّها. {نَاظِرَةٌ} مِنَ النَّظَرِ والمُعَايَنَةِ، ولهم أيضًا وَعِيدٌ آَخَرُ.

قوله: {ثُمَّإِنَّهُمْلَصَالُواالْجَحِيمِ} :أي يدخلونها، ويقاسون حَرَّهَا، وَيُقَالُ لهم: هذا الَّذي كنتم به تكذِّبون.

لمَّا ذَكَرَ اللهُ مَوْضِعَ كتاب الفجَّار، وما سُطِرَ في صحائفهم من أعمالٍ سَيِّئَةٍ وأنَّ هذا الكتابَ في سِجِّينٍ تَحْتَ الأرض السَّابعة، وأنَّأَرْوَاحَهُمْ وَكِتَابَهُمْ في أسفل شَيْءٍ وَأَضْيَقِهِ، دَلَّ على خبث أعمالهم وتحقير الله لهم، ثمَّ بعد ذلك يبعثون بعد الموت إلى ما هو أشدُّ منه، َجَمَعَ لَهُمْ نَوْعَيِ العَذَابِ؛ الحَجْبَ والنَّارَ.

قوله: {كَلَّاإِنَّكِتَابَالْأَبْرَارِلَفِيعِلِّيِّينَ} : {كَلَّا} أَيْ: ليس الأمرُ كما يزعمون أنَّ القرآنَ أكاذيبُ الأوَّلين.

ذكر هنا موضع كتاب أعمال الأبرار، وأنَّه في أعلى عِلِّيِّينَ؛ علوٌّ في عُلُوٍّ.

«عِلِّيِّين» هو اسْمٌ لِمَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ وواسعٍ؛ فموضعُ كتاب الأبرار في السَّماء السَّابعة تحت العرش.

فكتابُ الفجَّار في أسفل شيءٍ وَأَضْيَقِهِ، وفيه من العذاب والشَّقاء ما لا يوصف، وكتاب الأبرار في أعلى شَيْءٍ وَأَوْسَعِهِ، وفيه من النَّعِيمِ والسُّرُورِ ما لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ.

قوله: {كِتَابٌمَرْقُومٌ} أَيْ: مَكْتُوبًا كتابةً حقيقيَّةً؛ خَطٌّ واضح، الحروف بخطٍّ كبيرٍ.

قوله: {يَشْهَدُهُالْمُقَرَّبُونَ} : أي أَخْبَرَأنَّ المقرَّبين يشهدون كتابَهم؛ أي: يُكْتَبُ بِحَضْرَتِهِمْ وَمَشْهَدِهِمْ؛ إظهارًا لكرامة صاحبه، ومنزلته عند ربِّه.

قوله: {إِنَّالْأَبْرَارَلَفِينَعِيمٍ} :أي أنَّأَهْلَ الطَّاعة في الجنَّة يتنعَّمون، فَذَكَرَ نَعِيمَ الأبرار، ومجالسَهم، وَنَظَرَهُمْإلى ربِّهم، وظهور نظرة النَّعيم وشرابهم.

قوله: {عَلَاالْأَرَائِكِيَنْظُرُونَ} :الأَرَائِكُ: مَجَالِسُ مُرْتَفِعَةٌ يَنْظُرُونَ.

أَطْلَقَ النَّظَرَ، ولم يُقَيِّدْهُ بِمَنْظُورٍ دُونَ مَنْظُورٍ.

ولذلك قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «ينظرون إلى أربعةٍ؛ يَنْظُرُونَ إلى وَجْهِ رَبِّهِمْ، وينظرون إلى أعدائهم يعذَّبون، وينظرون إلى نَعِيمِ الجنَّة، وينظر بعضُهم إلى بعضٍ» .

والنَّظرُ إلى وجه الله أَجَلُّأنواع النَّظر، وأفضلُها. نسألُ اللهَأَنْ يَرْزُقَنَا لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وَجْهِهِ الكَرِيمِ، وهو أَعْظَمُ مِنْ نَعِيمِ الجَنَّةِ.

قوله: {تَعْرِفُفِيوُجُوهِهِمْنَضْرَةَالنَّعِيمِ} :تَرَى في وُجُوهِهِمْ بَهْجَةَ النَّعيم؛ لأنَّ الفَرَحَ يَظْهَرُ على الوجه، والوجهُ هو الصَّفحةُ الَّتي يظهر عليها حَالَةُ الإنسان من فَرَحٍ وَحُزْنٍ.

قوله: {يُسْقَوْنَمِنْرَحِيقٍمَخْتُومٍ} :الرَّحِيقُ: هو الخَمْرُ الصَّافِي الخالصُ، طَيِّبُ الطَّعم والرَّائحة، وَمَخْتُومٌ مسكًا.

قوله: {مَخْتُومٍ} :أي غَيْرَ مَفْتُوحٍ، مُحْكَمَةٌ الأَفْوَاهُ.

الخِتْمُ له مَعَانٍ؛ إِمَّا مُحْكَمُ الأفواه، مَخْتُومٌ على فَمِهِ، أو يَكُونُآَخِرُهُ وَتَمَامُهُ مِسْكًا، أو يُخْلَطُ بالمسك.

قوله: {وَفِيذَلِكَفَلْيَتَنَافَسِالْمُتَنَافِسُونَ} :أي يتسابق المتسابقون، فأهلُ الدُّنيا يتسابقون على الدُّنيا الفانية، وَلَوْ جَمَعَهَا كلَّها في النِّهَايَةِ يتركها، بينما يملك كلَّ شَيْءٍ يَتْرُكُ كلَّ شَيْءٍ، وأهلُ الطَّاعة والآخرة يتسابقون على الأُخْرَى الباقية.

مشكلة الدُّنيا أَنْ لا تصفى كلُّها، هُمْ في همومٍ متقلِّبة الأحوال، سَرِيعَةِ الزَّوال، تخاف من الفقر، وإذا لم تفتقر تخاف من المرض، وإذا لم تمرض تخاف من الموت، ولا بُدَّ لك من نهايةٍ، المشهدُ فراقٌ ووداعٌ، لكن الجنَّة أَمَانٌ من كلِّ خَوْفٍ، وَسَلامٌ من كلِّآَفَةٍ.

قوله: {وَمِزَاجُهُمِنْتَسْنِيمٍ} أَيْ يُخْلَطُ مِنْ تَسْنِيمٍ.

قوله: {تَسْنِيمٍ} أَيِ التَّسنيمأعلى أَشْرِبَةِ الجنَّة، عَيْنٌ مُرْتَفِعٌة تصبُّ من أعلى الجنَّة، يشرب بها المقرَّبون؛ فَتَسْنِيمٌ شَرَابٌ خالصٌ صِرْفٌ يشربه المقرَّبون؛ لأنَّه خَلُصَتْأعمالُهم، فَخَلُصَ شَرَابُهُمْ.

أمَّا الأبرارُ أصحابُ اليمين فيشربونه مخلوطًا مع غَيْرِهِ؛ لأنَّهم خلطوا الطَّاعات بالمباحات، فَمُزِجَ لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت