لمَّا ذَكَرَ اللهُ مَوْضِعَ كِتَابِ الأَبْرَارِ، وَمَا سُطِرَ فيه من الأعمال الطَّيِّبَةِ، وأنَّه في أعلى عِلِّيِّينَ، أعلى مكانٍ وأوسعَه.
وهذا دَلِيلٌ على عِظَمِ مكانتهم عند الله، وشهود الملائكة وحضوره من المقرَّبين فيه إشهارٌ لهم ولمكانتهم وعلوِّ منزلتهم عند الله.
قوله: {إِنَّالَّذِينَأَجْرَمُواكَانُوامِنَالَّذِينَآَمَنُوايَضْحَكُونَ} : خُتِمَتِ السُّورَةُ بِمَوْقِفِ الفُجَّارِ من الكَفَرَةِ، والمنافقين، والفَسَقَةِ من المؤمنين؛ بِبَيَانِ عقوبة من يستهزئ بالمؤمنين في الدُّنيا والآخرة.
قوله: {إِنَّالَّذِينَأَجْرَمُوا} . يُطْلَقُ الفَاجِرُ على الكافر، والمنافق، والفاسق.
قوله: {يَضْحَكُونَ} :أي في الدُّنيا؛ استهزاءً بهم؛ لأنَّ مِنْ شَأْنِ القويِّ المعتزِّ بماله وعزِّه أن يَضْحَكَ مِمَّنْ خَالَفَهُ.
فَهُمْ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ، كان مِنْ صَنِيعِهِمْ عندما يَرَوْنَأَهْلَ الإيمان أنَّهم يضحكون مستهزئين.
وهذه الخَصْلَةُ مع الأَسَفِ قد يفعلها بعضُ المسلمين؛ يَرَوْنَ رَجُلًا قد أطاع اللهَ، فيضحكون عليه متنقِّصين له، ويتندَّرون بكلمةٍ مُطَاوِعَةٍ متشدِّدين.
قوله: {وَإِذَامَرُّوابِهِمْيَتَغَامَزُونَ} :يتغامزون بالأبصار، أو باليد، أو بإشارات سُخْرِيَةٍ؛ طَعْنًا فيهم، وَعَيْبًا لهم.
قوله: {وَإِذَاانْقَلَبُواإِلَاأَهْلِهِمُانْقَلَبُوافَكِهِينَ} : {انْقَلَبُوافَكِهِينَ} متلذِّذينَ بِذِكْرِهِمْ والسُّخْرِيَةِ منهم.
وَقَرَأَ غَيْرُ حَفْصٍ: {فاكهين} أَيْ: فَرِحِينَ، فَهُمْ أساءُوا في حقِّ الخَلْقِ، وَحَقِّ الخَالِقِ.
قوله: {وَإِذَارَأَوْهُمْقَالُواإِنَّهَؤُلَاءِلَضَالُّونَ} : يرمون أهلَ الحقِّ بالسَّخَفِ وقلَّةِ العقل.
ومع الأسف نَسْمَعُ من يقول النَّاس تقدَّموا، وهؤلاء متمسِّكون بالتُّراث.
قوله: {وَمَاأُرْسِلُواعَلَيْهِمْحَافِظِينَ} :أي: لم يُرْسِلِ اللهُ الكفَّارَ رقباءَ على المؤمنين.
-حكم الاستهزاء بالمؤمنين:
إِنْ كان الاستهزاءُ بهم مِنْ أَجْلِ الدِّين؛ فكُفْرٌ، وإن كان الاستهزاءُ بهم يعنون شخصَهم أو زِيَّهم؛ فكبيرةٌ من كبائر الذُّنوب، أمَّا سخريةُ الإنسان بمن يسخر منه؛ فَجَائِزٌ.
قوله: {فَالْيَوْمَالَّذِينَآَمَنُوامِنَالْكُفَّارِيَضْحَكُونَ} :هذه عُقُوبَةُ من استهزأ بالمؤمنين في الدُّنيا يَوْمَ القيامة؛ يسخر الذين آمنوا من الكفَّار يَوْمَ القيامة.
فَأَهْلُ الإيمان يضحكون منهم، وهم على أرائك الجنَّة، وأولئك في دَرَكَاتِ الجحيم.
قوله: {عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ} :أي: إلى الله -عزَّ وجلَّ - في مقابلة مَنْ زَعَمَ فيهم أنَّهم ضالُّون، وليسوا بضالِّين.
قوله: {هَلْثُوِّبَالْكُفَّارُمَاكَانُوايَفْعَلُونَ} : هل جُوزِيَ الكفَّارُ على أفعالهم في الدُّنيا؟
-فوائدُ وَعِبَرٌ وَعِظَاتٌ من سورة المطفِّفين:
1 -بَدَأَتِ السُّورةُ بِدَايَةً تَخْلَعُ القلوبَ، وبالتَّهديدِ بِوَيْلٍ؛ وهو عَذَابٌ شَدِيدٌ؛ لأنَّ النُّفُوسَ مُتَشَبِّثَةٌ بالمال، ولن تَتْرُكَهُ إلاَّ إذا عَلِمَتْأنَّها سَتَهْلَكُ، ولا يَرْدَعُهَا إلاَّ العقوباتُ، وإلاَّ سَيَكْثُرُ السُّفَهَاءُ.
2 -مفتاح التَّغْيِيرِ في هذه السُّلوكيَّات الخاطئة من التَّطفيف ومحاربة الدِّين والاستخفاف بأهله لا يكون إلاَّ بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وهو من أساسيَّات «لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ» .
فالتَّغْيِيرُ والإصلاحُ مُرْتَبِطٌ بالخوف من اللهِ وَتَذَكُّرِ الآخرة.
وَمِنْ أَجْلِ هذا فإن أَهْلَ الفساد دائمًا ينتقدون أَهْلَ الدِّين؛ لأنَّهم يتحدَّثون عن الموت والقيامة ويقولون: لماذا تُكَرِّهون النَّاسَ في الدِّين، وتخوِّفونهم بالموت؟ لأنَّهم لا يريدون النَّاس أَنْ تتغيَّر وتزكو.