فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 581

وَشَرَعَ فِيهِ عِبَادَةً عَظِيمَةً؛ صَلاةَ الصُّبْحِ، والقرآنَ المَشْهُودَ، ومستودعَ الأعمال الصَّالحة قَبْلَهَ وعنده وَبَعْدَهُ حتَّى طلوع الشَّمس.

وفيه عِبْرَةٌ وَدِلالَةٌ على قدرة الله وعظمته، من حيث تجلِّي الظُّلمة بالنُّور والفجر؛ فَفِيهِ بَيَانُ نِعْمَةِ الله على عباده، وَبَيَانُ قُدْرَةِ الله على تَغْيِيرِ الأحوال؛ حَيْثُ يَذْهَبُ الظَّلامُ، وَيَحِلُّ مَحَلَّهُ الضِّيَاءُ.

قوله: {وَلَيَالٍعَشْرٍ} :أي عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ.

واللَّيْلُ تَابِعٌ للنَّهَارِ، تلك العَشْرُ المباركة الَّتي لا يوجد مثلُها في الأعمال الصَّالحة؛ ففي الحديث: «أَعْظَمُأَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ العَشْرِ» . رَوَاهُ البزَّار بسندٍ جَيِّدٍ عن جابرٍ.

وسمَّاها اللهُأيَّامًا معلوماتٍ؛ فهي من الظُّهور بمكانٍ، وأقسم بِعَشْرِ ذي الحِجَّة؛ تنويهًا لشأنها؛ حتَّى يستغلَّها العبادُ في طاعة الله، فالعَمَلُ الصَّالِحُ فيها ثَوَابُهُ يَعْدِلُ الجهادَ في سبيل الله.

قوله: {وَالشَّفْعِوَالْوَتْرِ} :فيها عِشْرُونَ قولًا، وَأَظْهَرُهَا وَأَوْجَهُهَا أنَّ المُرَادَ بالشَّفع جَمِيعُ المخلوقات مِنْ ذَوَاتِ الأزواج؛ فَلِكُلِّ مَخْلُوقٍ ما يزاوجه.

يقول الله تعالى: {وَمِنكُلِّشَيْءٍخَلَقْنَازَوْجَيْنِلَعَلَّكُمْتَذَكَّرُونَ} . والوَتْرُ المُرَادُ بِهِ اللهُ سبحانه.

فَأَقْسَمَ اللهُ بِذَاتِهِ - سبحانه - وَبِمَخْلُوقَاتِهِ مِنْ ذَوَاتِ الأزواج وغيرها.

قوله: {وَاللَّيْلِإِذَايَسْرِ} : أَقْسَمَ اللهُ باللَّيْلِ إذا سَرَى وَذَهَبَ وَمَضَى، كما في قوله: {وَاللَّيْلِإِذْأَدْبَرَ} ؛ فَأَقْسَمَ باللَّيل وإدبارِهِ، واللَّيْلُ مُسْتَوْدَعٌ لعبادةٍ عظيمةٍ؛ قيامِ اللَّيْلِ، وكان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - ينام أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُآَخِرَهُ، ومع الأسف فقد عَكَسَ النَّاسُ-اليَوْمَ - الآَيَةَ؛ سَهَرٌأَوَّلَهُ، وَنَوْمٌآَخِرَهُ.

لكلِّ قَسَمٍ جَوَابٌ؛ قَسَمٌ لَكِنِ المُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، لم يَكُنْ وَاضِحًا هنا، وهو مُقَدَّرٌ؛ «لَتُعَذَّبُنَّ يَا مَنْ كَفَرْتُمْ وَكَذَّبْتُمْ» ، وقيل: «جَوَابُ القَسَمِ {إِنَّرَبَّكَلَبِالْمِرْصَادِ} » .

قوله: {هَلْفِيذَلِكَقَسَمٌلِذِيحِجْرٍ} : أَيْ: أَلَيْسَ في هذه الأَقْسَامِ مَقْنَعٌ وَكِفَايَةٌ لِمَنْ كان له عَقْلٌ؟

وسمِّي العقلُ حِجْرًا؛ لأنَّه يَحْجِرُ صَاحِبَهُ عن تعاطي مالا يَلِيقُ من الأفعال والأقوال.

الحَجْرُ في الأَصْلِ هو المَنْعُ، لكن المرادُ به هنا العَقْلُ؛ لأنَّه يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنَ الزَّلَّاتِ.

والعَقْلُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ على الإنسان، وَمِنْ أَعْظَمِ آَيَاتِ الله الدَّالَّةِ على عظمته، وَمِمَّا يُمَيِّزُ الإِنْسَانَ عن الحيوانات، وحتَّى يَعْلَمَ العَبْدُ نِعْمَةَ العَقْلِ، فَلْيَنْظُرْ للمَجَانِينَ؛ ليعْرَفَ نعمةُ العقل.

ومن نَظَرَ للفُسَّاقِ والمنحرفين، وَحَمِدَ اللهَ على نِعْمَةِ العَافِيَةِ، حَيْثُإنَّ اللهَ نَجَّاهُ بِنِعْمَةِ العَقْلِ مِنْ كَثِيرٍ من الضَّلالات، والأفكار المنحرفة.

ولهذا أَمَرَنَا اللهُ بالمُحَافَظَةِ على العَقْلِ؛ فَحَرَّمَ المُسْكِرَاتِ؛ لِضَرَرِهَا على العقل، والمخدِّرات؛ لأنَّها تَقْضِي على حياته، ويصبح عالةً على غيره.

وكذلك المُفْتِرَاتُ؛ فَفِي الحديث: «نَهَى عن كلِّ مسكرٍ وَمُفْتِرٍ ومخدِّرٍ» رواه أبو داود بدون لفظ (مخدر) لكن لفظ مخدر ورد عند أبي نعيم و لكن بدون لفظ (مفتِّر) ، والمعنى: لا ينتفع بهذه الآيات والأقسام إلاَّ ذو عقلٍ.

ثمَّ ذَكَرَ اللهُ نُمُوذجًا من المنحرفين الَّذين منحهم الله عقولًا، وأعطاهم علمًا، وبيَّن لهم طريق الخير وطريق الشَّرِّ، فاستحبُّوا الضَّلالةَ على الهدى، والعمى على البصيرة، وكانوا مستبصرين، وفيه تهديدٌ لكفَّار قريشٍ، وتطمينٌ للرَّسول - صلى الله عليه وسلم -.

قوله: {أَلَمْتَرَ} :أي أَلَمْ تَرَ يا مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم - قوله: {كَيْفَفَعَلَرَبُّكَبِعَادٍ} : عَادٌ قَبِيلَةٌ عَجِيبَةٌ جاءت بعد قَوْمِ نُوحٍ، ونبيِّهم هودٍ - عليه السلام - وهم يسكنون جنوبيَّ شرقيِّ الجزيرة بالأحقاف.

كانت أرضُهم زراعيَّةً، وأجسادُهم قَوِيَّةً، وقامتُهم طويلةً. قال ابنُ كثيرٍ: «كانوا أشدَّ النَّاس في زمانهم خِلْقَةً، وأقواهم بطشًا، وذكَّرهم نبيُّهم بتلك النِّعمة؛ {وَزَادَكُمْفِيالْخَلْقِبَسْطَةً} .

أنعم اللهُ عليهم بزيادةٍ في الخلق، فكانت أسبابُ القوَّة الَّتي أعطاهم اللهُ سببًا في كفرهم وتكبُّرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت