وكانوا أصحابَ قوَّةٍ وَصَنْعَةٍ، اتَّخذوا مصانعَ؛ لعلَّهم يخلدون. قيل: «سُدُودٌ» . وقيل: «قُصُورٌ» .
وكانوا يَبْنُونَ بكلِّ رِيعٍآَيَةً يَعْبَثُونَ، وبناءُ البيوت للحاجة لا إشكالَ فيه، ولكن بناؤها للعَبَثِ والإسراف والخُيَلاءِ فهو مَذْمُومٌ، وَسُنَّةُ الله في أَرْضِهِ وَخَلْقِهِ مَا تَتَغَيَّرُ.
قوله: {إِرَمَ} نِسْبَةٌ إلى أبيهم إِرَمَ؛ أَيْ: بَنِي إِرَمَ. وقيل: «إِرَمُ بَلَدُهُ؛ سَوَاءٌ كَانَ نَسَبُهُ إلى أبيهم، أو إضَافَهُ» .
قوله: {ذَاتِالْعِمَادِ} : على تَفْسِيرَيْنِ؛ قيل: «ذات القوَّة الهائلة بالأجساد والثَّروة» .
وقيل: «ذاتُ الخِيَامِ؛ لأنَّهم بَدْوٌ يتَّبعون القِطْرَ، ثمَّ يرجعون إلى منازلهم في الأحقاف في حضرموت» .
قوله: {الَّتِيلَمْيُخْلَقْمِثْلُهَافِيالْبِلَادِ} :في القوَّة والبطش والأيدي.
وقيل: «هذه القبيلةُ فَعَلَتْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لم يُصْنَعْ مِثْلُهَا، وَنُسِبَ الخَلْقُ لهم» .
والمرادُ صناعةُ الشَّيء؛ {وَتَخْلُقُونَإِفْكًا} ، لَكِنِ الخَلْقُ من العدم لله وَحْدَهُ؛ فَمُمْكِنٌ صُنْعُ بابٍ يستغلُّ الأدوات الموجودةَ، لكن من الَّذي أَوْجَدَ الخَشَبَ مِنَ العَدَمِ؟ اللهُ.
وَمِنْ ثَمَّ يقال للمصوِّرين يومَ القيامة: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» متفق عليه. فَبَعَثَ اللهُ فيهم رسولَه هودًا - عليه السَّلامُ - فكذَّبوه، ولم تنفعهم قوَّتهم والنِّعَمُ التي أمدَّهمُ اللهُ بها؛ لأنَّ اللهَأَعْطَاهُمُ النِّعَمَ، فَلَمْ يَشْكُرُوهَا، وقالوا: {قَالُوايَاهُودُمَاجِئْتَنَابِبَيِّنَةٍوَمَانَحْنُبِتَارِكِيآلِهَتِنَاعَنقَوْلِكَوَمَانَحْنُلَكَبِمُؤْمِنِينَ} ؛ {وَتِلْكَعَادٌجَحَدُوابِآيَاتِرَبِّهِمْوَعَصَوْارُسُلَهُوَاتَّبَعُواأَمْرَكُلِّجَبَّارٍعَنِيدٍ} .
والنَّتِيجَةُ أَنْأَحَلَّ اللهُ بهم عذابَه، فأهلكهم بالطَّفِّ، أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا عَاتِيَةً.
أين قوَّتهم؟ لم تَنْفَعْهُمْأَمَامَ بَأْسِ الله، لكن لو استعملوا قوَّتهم في طاعة الله، لاستفادوا منها؛ لكنَّهم اغترُّوا بها؛ لأنَّ مَنْ قَابَلَ النِّعَمَ بالمعاصي وقابلها بالكفران، فهو يعرِّضها للزَّوال.
هذه الأرضُ لا يَبْقَى فيها إلاَّ صالحٌ، وأيُّإِنْسَانٍ يَطْغَى وَيَعْصَى وَيَكْفُرُ، يَذْهَبُ ويزولُ ولا يبقى إلاَّ من عمل صالحًا.
ذكر ابن خلدون في «مقدِّمة تاريخه» في سياق الأخبار الواهية للمؤرِّخين ما مثاله: «وأبعدُ من ذلك وأعرق في الوهم ما يتناقله المفسِّرون في تفسير سورة (والفجر) : {إِرَمَذَاتِالْعِمَادِ} فيجعلون لَفْظَةَ «إِرَمَ» اسمًا لمدينةٍ وُصِفَتْ بأنَّها ذاتُ عِمَادٍ، أي: أساطين. وأنَّ قصورَها ذَهَبٌ. وبعضُهم قالوا: بِدِمَشْقَ. مَزَاعِمُ كلُّها أَشْبَهُ بالخرافات».
قوله: {وَثَمُودَالَّذِينَجَابُواالصَّخْرَبِالْوَادِ} : ثمودُ هم قومُ صالحٍ عليه السَّلام.
قوله: {بِالْوَادِ} . يَسْكُنُونَ في الحجرِ شَمَالِيِّ الحجاز بوادي القرى بمدائن صالحٍ، وكانوا أصحابَ قوَّةٍ، وَثَرْوَةٍ، وَغِنًى، وينحتون من الجبال بيوتًا فارهين.
جاءَهم نبيُّهم صالحٌ ودعاهم إلى الله، فَطَلَبُوا منه آيةً، فجاءت النَّاقَةُآَيَةً لهم، فلم يعتبروا بها، ولم يؤمنوا؛ لأنَّهم طَلَبُوا الآيَةَ مِنْ بَابِ التَّعَنُّتِ، والاستكبارِ، والتَّحدِّي، فلم يؤمنوا، وكانت الناقة تشرب الماءَ يومًا، وتسقيهم اللَّبنَ، فنهاهم عن قتلها، فعقروها، فأخذهم العذابُ.
فَجَاءَتْ صَيْحَةٌ من السَّماء قطَّعت قلوبَهم في صدورهم، وَرَجَفَتْ بهم الأرضُ، فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
نَعَمْ. هذه الأرضُ لا يبقى فيها إلاَّ صَالِحٌ، وأيُّإِنْسَانٌ يَطْغَى ويعصى ويكفر يَذْهَبُ وَيَزُولُ، ولا يبقى إلاَّ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا.
قوله: {وَفِرْعَوْنَذِيالْأَوْتَادِ} : فِرْعَوْنُ لَقَبٌ لمن مَلَكَ مِصْرَ.
والمُرَادُ هنا فِرْعَوْنُ موسى - عليه السلام - الَّذي تجبَّر وتكبَّر وادَّعى الرُّبوبيَّة.
قوله: {ذِيالْأَوْتَادِ} :أي صاحبَ القوَّة الهائلة، والجيش القويِّ، سُمِّيَتْأوتادًا؛ لأنَّها تَشُدُّ المُلْكَ كما يشدُّ الوَتَدُ الخيمة، وقيل: «الأَوْتَادُ لِكَثْرَتِهِمْ» . والنَّتيجة أَنْأَهْلَكَهُمُ اللهُ، وَصَبَّ عليهم سَوْطَ عَذَابٍ.