فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 581

قوله: {الَّذِينَطَغَوْافِيالْبِلَادِ} :عادٌ وثمودُ وفرعونُ طَغَوْا في البلاد؛ أي عمَّ طغيانُهم البلاد؛ كفروا ربَّهم، وَعَصَوا رسلَه، واتَّبعوا أمرَ كلِّ جبَّارٍ عنيدٍ، وأكثروا الفسادَ والظُّلْمَ؛ الكُفْرَ والفسادَ وأذيَّةَ النَّاس.

البشرُ إذا ملكوا أسبابَ القوَّة، أفسدوا في الأرض، وشيَّدوا البناياتِ العاليةَ، وهم لا يحتاجون إليها، يتفاخرون بالصِّناعة، وبالقوَّة، والبغي على الآخرين، وَظُلْمِ النَّفْسِ.

وأخطرُ شَيْءٍ على النَّاس الظُّلْمُ؛ لا يَظْلِمِ العبدُ ما دام مقتدرًا؛ سواءٌ ظُلْمَ النَّفس بالكفر والمعاصي أو ظُلْمَ العباد؛ فإنَّه ظُلُمَاتٌ.

أَكْثَرُوا الفسادَ في الأرض، والإفسادُ في الأرض يكون بالكفر والمعاصي، والإصلاحُ فيها يكون بالتَّوحيد والطَّاعات.

ماهي العاقبة؟ صَبَّ عليهم الله - تعالى - سَوْطَ عَذَابٍ؛ لأنَّ فسادَهم كان سببَ غَضَبِ الله عليهم.

ففي الحديث في «البخاريِّ» : «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِأَلاَّ يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ وَضَعَهُ» .

دَوَامُ الحال من المحال، حتَّى إذا أَخَذُوا أَسْبَابَ القوَّة، وتحكَّموا في كلِّ شَيْءٍ، {أَتَاهَا أَمْرُنَا} .

قوله: {إِنَّرَبَّكَلَبِالْمِرْصَادِ} :أي بالمرصاد للمكذِّبين، ولكلِّ طَاغيةٍ ومفسدٍ؛ فلا يخفى عليه شيءٌ من أمرهم. وهذا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ لهم.

-دَرْسٌ عظيمٌ وفائدةٌ:

أرسل اللهُ على الأُمَمِ السَّابقة عقوبةً جامعةً وعذابًا استئصاليًّا.

وعقوبةُ هذه الأمَّة إذا كفرت وَعَصَتْ، يُسَلَّطُ بعضُها على بعضٍ؛ لأنَّه بعد نزول التَّوراة على موسى - عليه السلام - ما نزل عَذَابٌ عامٌّ؛ إنَّما يكلَّف المؤمنُ بجهادِ الكافر، ويسلَّط بعضُهم على بعضٍ، ويقتل بعضُهم بعضًا.

فهل نزل على كفَّار قريش لمَّا كفروا وكذَّبوا عذابٌ عامٌّ؟ بَلْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

عن معاذ بن جبلٍ قال: صلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا صلاةً فأطال فيها، فلمَّا انصرف قلت: يا رسولَ الله، لقد أَطَلْتَ اليومَ الصَّلاة؟

قال: «إِنِّي صَلَّيْتُ صَلاةً رَغْبَةً وَرَهْبَةً، وَسَأَلْتُ اللهَ لِأُمَّتِي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وَرَدَّ عَلَيَّ وَاحِدَةً؛ سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ غَرَقًا فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَرَدَّهَا عَلَيَّ» . أخرجه ابنُأبي شَيْبَةَ في «المصنَّف» .

وعن سَعْدٍ قال إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل ذات يومٍ من العالية حتَّى إذا مرَّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين وصلَّينا معه، ودعا ربَّه طويلًا، ثمَّ انصرف إلينا فقال: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاثًا، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وَرَدَّ عليَّ وَاحِدَةً؛ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسِّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَنِيهَا» رواه أحمد و مسلم.

وعن صهيبٍ قال: ذكرتُ نبيًّا من الأنبياء أُعْطِيَ جنودًا من قومه فقال: من يكافئ هؤلاء؟ قال: فقيل له: اختر لقومك إحدى ثلاثٍ: إمَّا أن يسلَّط عدوٌّ من غيرهم أو الجوع أو الموت، قال: فَعَرَضَ ذلك على قومه، قال: فقالوا: أنت نبيُّ الله فاختر لنا، قال: فقام إلى الصَّلاة؛ قال: وكانوا ممَّا إذا فزعوا، فَزِعُوا إلى الصَّلاة، فصلَّى.

فقال: اللَّهمَّ إن تُسَلِّطْ عليهم من غيرهم فلا، أو الجوع فلا، ولكن الموت، قال: فسلِّط عليهم الموتُ، فمات منهم سبعون ألفًا في ثلاثة أيَّامٍ.

قال: فَهَمْسِي الَّذي تسمعون أقول: اللَّهمَّ بك أحاول، وبك أصاول، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بك.

وعند البخاريِّ عن جابر بن عبد الله قال: لمَّا نزلت هذه الآية: {قُلْهُوَالْقَادِرُعَلَاأَنيَبْعَثَعَلَيْكُمْعَذَابًامِّنفَوْقِكُمْ} قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» .

{أَوْمِنتَحْتِأَرْجُلِكُمْ} قال: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» ، {أَوْيَلْبِسَكُمْشِيَعًاوَيُذِيقَبَعْضَكُمبَأْسَبَعْضٍ} قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «هَذِهِ أَهْوَنُ - أو قال: هَذَا أَيْسَرُ» لأنَّه أَهْوَنُ من العقوبة الجامعة والعامَّة؛ لأنَّه قد ينجو بعضُهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت