فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 581

فعقوبةُ هذه الأمَّة إذا عَصَتِ اللهَ، يُسَلِّطُ بعضَهم على بعضٍ، وما من ظالمٍ إلاَّ سَيُبْلَى بظالمٍ، والظَّالِمُ سَيْفُ الله في الأرض، ينتقم به، ثمَّ ينتقم منه، والأمَّةُ إذا أَذْنَبَتْ، سُلِّطَ عَلَيْهَا.

قوله: {فَأَمَّاالْإِنْسَانُإِذَامَاابْتَلَاهُرَبُّهُفَأَكْرَمَهُوَنَعَّمَهُفَيَقُولُرَبِّيأَكْرَمَنِ} :بيَّن اللهُ سُنَّتَهُ في خَلْقِهِ في الخير والشَّرِّ، والغِنَى والفقر، وأنَّه إذا أعطى؛ أعطى للامتحان، وإذا مَنَعَ؛ منع للامتحان؛ لأنَّهم لم يعلموا حِكْمَةَ الله في المنع والعطاء.

فاللهُ امتحن البشر بالمنع والعطاء؛ ليتبيَّنَ الشَّاكرُ من الصَّابر، ولكنَّ الميزانَ عندهم أُمُورُ الدُّنيا، وليست أُمُورَ الدِّين.

ذَكَرَ اللهُ في هذه الآية صِفَةَ الكافر، و غير المُهْتَدٍ؛ فإذا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ قَالَ: «اللهُ أَكْرَمَني» ، وإذا ضَيَّقَ عليه قال: «اللهُأهانني» .

أمَّا المؤمن إذا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ، شَكَرَ، وإذا ضَيَّقَ اللهُ عليه، صَبَرَ.

وقد يضيِّق اللهُ على أوليائه، ويحميهم من الدُّنيا، وقد يَزْوِي عنهم الدُّنيا وَيُعْطِيهَا الكفَّارَ؛ لأنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ.

{كَلَّا} أَيْ: ليس الأمرُ كذلك؛ ليس العطاءُ دليلًا على الإكرام والرِّضا، وليس الفقرُ والحرمانُ دليلًا على السَّخَطِ والإهانة.

اللهُ يُعْطِي ويمنع اختبارًا، واللهُ يعطي الدُّنيا من يحبُّ، ومن لا يحبُّ، ولا يعطي الدِّينَ إلاَّ مَنْ يُحِبُّ؛ فالإكرامُ بالطَّاعَةِ، والإهانةُ بالمعصية.

ثمَّ بيَّن اللهُ بَعْدَهَا أنَّ هذا المالَ الَّذي مَنَحَكُمُإياه لم تستعملوه في الإحسان إلى الخَلْقِ؛ فَسَبَبُ هلاك النَّاس جاء من حبِّ المال حبًّا شديدًا.

وترتَّب عليه عَدَمُإكرام الأيتام، والإحسان إلى المساكين، وَأَخْذُ حقوق الآخرين، واللهُأَعْطَانَا المالَ امتحانًا.

{كَلَّابَللَاتُكْرِمُونَالْيَتِيمَ} : {كَلَّا} أي: لَيْسَتِ القضيَّةُ مَنْعًا وَعَطَاءً، فاللهُأَعْطَاهُمُ المالَ و كَثْرَةَ الحظِّ في الدُّنيا، فحملهم ذلك على التَّكبُّر على الأيتام والضُّعَفَاءِ؛ فلم يحسنوا إلى يتيمٍ، و لم يحضُّوا على طَعَامِ مِسْكِينٍ.

واليتيمُ هو من فَقَدَأَبَاهُ، وله حقٌّ على أقاربه، وعلى المجتمع؛ حَقُّ الرَّحمة، والعطف وحقُّ الإكرام، ورفع أُمُورِهِ المعنويَّة؛ فلا يُحْتَقَرُ، وَيُجْبَرُ فَقْدُأَبِيهِ الَّذي يَعُولُهُ وَيَقُوتُهُ برعاية خاصة؛ حيث يحتاج إلى رِعَايَةٍ من المجتمع بأسره.

ففي الحديث عند ابن ماجه والبخاريِّ في «الأدب المفرد» بِلَفْظٍ: «خَيْرُ بَيْتٍ فِي المُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي المُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ» .

قوله: {وَلَاتَحَاضُّونَعَلَاطَعَامِالْمِسْكِينِ} :يَجِبُ على الإنسان أَنْ يَكُونَ شَاكِرًا عند النَّعْمَاءِ، وَصَابِرًا عند الابتلاء، فَيَشْكُرَ نِعْمَةَ الله، ويستعملَها فيما ينبغي، وَيُحْسِنَ إلى مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الأَيْتَامِ والضُّعَفَاءِ.

قوله: {وَتَأْكُلُونَالتُّرَاثَأَكْلًالَمًّا} :أَيْ يَأْكُلُونَ المِيرَاثَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ حَصَلَ بلا مبالاةٍ، ويأخذون حقوقَ الآخرين، فهؤلاء أَكَلُوا الميراثَ، وَتَرَكُوا الأيتامَ، وكانوا لا يورِّثون النِّسَاءَ، ولا الأيتامَ، ويأكلون تراثَهم مع تراثِ غَيْرِهِمْ.

قوله: {وَتُحِبُّونَالْمَالَحُبًّاجَمًّا} : يحبُّون المال حبًّا شديدًا مع الحرص والمنع؛ فيأخذونه بغير حقِّه، ويمنعون ما فيه من الحقوق بِجَمْعِهُ وَكَنْزِهِ.

-فَائِدَةٌ: والأعمال الصَّالحة في الدُّنيا، والإحسان إلى الغير، تَقِي أهوالَ يوم القيامة.

خُتِمَتِ السُّورَةُبِبَيَانِأهوال القيامة، وانقسام النَّاس إلى سعداء وأشقياء.

قوله: {كَلَّاإِذَادُكَّتِالْأَرْضُدَكًّادَكًّا} :هذه الأرضُ تُدَكُّ، وَتُمَهَّدُ، وتسوَّى، ويزاد فيها حتَّى تكونَ كالمرآة الصَّقيلة، وكسبيكة الفضَّة، أرضًا عفراءَ بَيْضَاءَ، ليس فيها مَعْلَمٌ لأحدٍ.

وَيَحْشُرُ اللهُ الأوَّلين والآخِرِينَ مِنْ لَدُنْآَدَمَ إلى آَخِرِ بَشَرٍ، ويخرج النَّاسُ من بطنها إلى ظهرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت