فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 581

المُلْكُ المُطْلَقُ كلُّه لله؛ فلا يشاركه أَحَدٌ في مُلْكِهِ، فهو المتصرِّفُ في مُلْكِهِ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ.

وَمُلْكُ النَّاس مُلْكٌ مَمْنُوحٌ، ومَحْدُودٌ، وقليلٌ، وضعيفٌ، ومؤقَّتٌ، أمَّا مُلْكُ اللهِ فَهُوَ دَائِمٌ، وَشَامِلٌ لكلِّ شَيْءٍ.

قوله: {وَلَهُ الْحَمْدُ} .

أي: له الحَمْدُ كُلُّهُ التَّامُّ والكامل؛ فَلَهُ عُمُومُ الحَمْدِ وَكَمَالُهُ؛ فهو المحمودُ على كلِّ حَالٍ، وعلى كلِّ شَيْءٍ، أَكْمَلُ الحَمْدِ وَأَعْظَمُهُ، وفي كلِّآَنٍ وَنَفَسٍ، وعلى كلِّ ما فَعَلَ وكلِّ ما شَرَعَ.

وله الحمدُ على كلِّ ما هو مُتَّصِفٌ به، وعلى كلِّ مَا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ.

وله الحَمْدُ على كلِّ ما في الوجود من خَيْرٍ، وَشَرٍّ، وأَلَمٍ، وَلَذَّةٍ، وَعَافِيَةٍ، وَبَلاءٍ.

فَنَوَّعَ حَمْدَهُ وأَسْبَابَ حَمْدِهِ؛ فاللهُ له المُلْكُ كلُّه، وله الحَمْدُ كلُّه، وله القُدْرَةُ كلُّها، وتقديمُ الجارِّ والمجرور: للحَصْرِ والقَصْرِ.

قوله: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

أي: له القُدْرَةُ كلُّها؛ فهو القادر المقتدر القويُّ العزيز؛ فلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

لمَّا بَيَّنَ - سبحانه -أنَّه إِلَهُ الخَلْقِ جَمِيعًا وَذَكَرَ بَعْضَ صفات كَمَالِهِ فَلَهُ المُلْكُ كلُّه، وله الحَمْدُ كلُّه، وله القُدْرَةُ كلُّها، ذَكَرَ بَعْضَ دَلائِلِ قُدْرَتِهِ وإحاطة عِلْمِهِ.

قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ} .

فاللهُ وَحْدَهُ المتفرِّد بِخَلْقِ الإنسان وَخَلْقِهِمْ لِغَايَةٍ تُرَادُ من العباد، وَغَايَةٍ تُرَادُ بهم؛ فالغايةُ الَّتي تراد من العباد: أن يعرفوا ربَّهم ويعرفوا صفات كماله، وأن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئًا؛ فالغاية أن يعرفوا ربَّهم ويعبدوه وَحْدَهُ.

أمَّا الغايةُ الَّتي تراد بهم: فالجَزَاءُ بِالعَدْلِ والفَضْلِ.

قوله: {فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} .

هذا بِعَدْل الله وَحِكْمَتِهِكَفَرَ، وهذا بِفَضْلِ الله ورحمته آَمَنَ؛ فَجَعَلَأئمَّة الهدى يَهْدُونَ بِأَمْرِهِ، وأئمَّةَ الضَّلال يَدْعُونَ إلى النَّار، يَهْدِي من يشاء بِفَضْلِهِ، وَيُضِلُّ من يشاء بِعَدْلِهِ.

فَوَفَّقَ أَهْلَ الطَّاعة فأطاعوه، ولو شاء لَخَذَلَهُمْ فَعَصُوهُ، وَحَالَ بَيْنَ الكفَّار وقلوبهم، فَكَفَرُوا، ولو شَاءَ لَوَفَّقَهُمْ فآمنوا وأطاعوه، ولو شاء لآَمَنَ مَنْ في الأرض جَمِيعًا.

وَنَتِيجَةُ عِلْمِ اللهِ السَّابق خَلَقَ الإنسانَ مخيَّرًا، وَمُسَيَّرًا؛ فهو مخيَّرٌ في الحُكْمِ الشَّرعيِّ القدريِّ؛ أي: في أمور الشَّريعة، فكلُّ ما فيه ثَوَابٌ، وَعِقَابٌ، وَأَمْرٌ، وَنَهْيٌ أَنْتَ مُخَيَّرٌ فيه، بإمكانك أن تصلِّي وبإمكانك ألاَّ تصلِّي، بإمكانك أن تقول لا إله الاَّ اللهُ، وبإمكانك أن تقول «لا إِلَه، والحياة مادَّةٌ» .

وَفِعْلُ الخير والشَّرِّ كلِّه بمشيئة الله، وبإذن الله؛ فكلُّ شيءٍ تفعله بِقَدَرٍ؛ فالزِّنا بِقَدَرٍ، وشُربُ الخمر بِقَدَرٍ، ولا يَقَعُ شَيْءٌ إلاَّ بِقَدَرِ الله، لكن ذاك لك فيه اختيارٌ؛ فأنت سَتُعَاقَبُ عليه في الشَّرِّ، وَتُثَابُ على الخَيْرِ.

وسَعْيُ العِبَادِ، وعَمَلُ المخلوقات بِأَسْرِهَا، تَنْتَهِي إلى آَيَتَيْنِ مِنْ كتاب الله:

-أوَّلًا: قولُه - تعالى - في سورة الإنسان: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} .

-ثانيًا: قوله- تعالى - في سورة التَّكوير: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .

وَمُسَيَّرٌ وَلَيْسَ مُخَيَّرًا في الحكم الكونيِّ القدريِّ، وهو ما ابتلاهم بقضائه وَقَدَرِهِ من المصائب، والمعائب، وكلِّ ما هو خَارِجٌ عن إرادتك؛ مَوْتِ القَرِيبِ، وسُقُوطِ الحَجَر، وَخُلِقْتَ ذَكَرًا بلا اختيارٍ، وَخُلِقَتِ المَرْأَةُأُنْثَى بلا اختيارٍ، والقبحِ، والحُسْنِ؛ وَقَعَ عليك دُونَ اختيارك.

وَلِذَلِكَ تَقُولُ: قَدَّرَ اللهُ، وما شَاءَ فَعَلَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت