فيُحْتَجُّ بالقَدَرِ في الأمور الَّتي هي خَارِجَةٌ عن إرادتك؛ كالمَصَائِبِ، والمَعَائِبِ، ولا يُحْتَجُّ بها في الأمور الَّتي في مَقْدُورِكَأن تفعلها.
لذلك أَنْكَرَ اللهُ على من عَارَضَ شَرْعَهُ بِقَدَرِهِ، كما قال الكفَّار: «لَوْ شَاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنَا» .
نَعَمْ، كلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ بِقَدَرٍ، وَلَكِنْ مَشِيئَةُ اللهِ العامَّةُ، وَقَضَاءُهُ، وَقَدَرُهُ لا تَسْتَلْزِمُ مَحَبَّتَهُ وَرِضَاهُ؛ فاللهُ خَلَقَ الخيرَ وأحبَّه ويُثِيبُ عَلَيْهِ، وَخَلَقَ الشَّرَّ وَكَرِهَهُ ويُعَاقِبُ عليه.
ولذلك اللهُ - تعالى - خَلَقَ الإِنْسَانَ وأعطاه عقلًا، وَسَمْعًا، وَبَصَرًا، وَأَرْسَلَ له رُسُلًا، وَأَنْزَلَ له كُتُبًا، وَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقَ الخَيْرِ لِيَسْلُكَهُ، وَبَيَّنَ له طَرِيقَ الشَّرِّ لِيَتْرُكَهُ.
فَمَنْ سَلَكَ طريقَ الجنَّة، زَادَهُ هدًى، وَمَنْ سَلَكَ طريقَ النَّار، أضلَّه اللهُ على عِلْمٍ؛ لأنَّه عَرَفَ الحقَّ ولا يريده.
فهذا بِفَضْلِ اللهِآَمَنَ فَلَهُ الجَنَّةُ، ولا يهتدي إلاَّ بإذن الله وَتَوْفِيقِهِ، وهذا بِعَدْلِ اللهِ كَفَرَ، فَلَهُ النَّارُ، ولا يُضَلّإلاَّ بأنَّ اللهَ يُوكِلُهُ إلى نَفْسِهِ، والهوى، والشَّيطان، والدُّنيا.
خلاصة القَوْلِ في قَدَرِ رَبِّنَا:
(1) العلمُ (2) الإرادةُ (3) الإيجاد والخَلْقُ.
فأمَّا العلمفاللهُ عَلِمَ الأَشْيَاءَ وَمَقَادِيرَهَا وَأَزْمَانَهَا قَبْلَ وقوعها، ثمَّ أوقعها وَأَوْجَدَهَا حَسْبَمَا عَلِمَ رَبُّنَا - جلَّ وعلا - فكلُّ مَخْلُوقٍ وكلُّ مُحْدَثٍ وكلُّ شَيْءٍ يَقَعُ بِعِلْمِ الله وإرادته وَقُدْرَتِهِ.
أمَّا الإرادةُ فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
-إِرَادَةٍ كَوْنِيَّةٍ قَدَرِيَّةٍ: من كلِّ ما يحبُّه الله ويكرهه؛ فما شاء اللهُ كان، وما لم يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وهذه الجُمْلَةُ مِنْ نَفِيسِ اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة أَسَاسِ كلِّ خَيْرٍ؛ أن يعلم العبدُ أنَّ ما شاء الله كان، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
فَإِنْأَصَابَهُ خَيْرٌ عَلِمَأنَّه حَصَلَ بِتَقْدِيرٍ من الله، وَفَضْلٍ، وَإِنْ حَصَلَ لَهُ شَرٌّ، فَيَعْلَمُأنَّه بِعَدْلِ الله، ولا يَلُومُإلاَّ نَفْسَهُ.
فَمَنْأَرَادَ اللهُ هِدَايَتَهُ كَوْنًا، وَقَدَرًا اهْتَدَى، ومن أراد اللهُ ضَلالَهُ كَوْنًا، وَقَدَرًا ضَلَّ.
فالإرادةُ الكَوْنِيَّةُ القدريَّةُ هِيَ إرادةُ قَضَاءٍ وَتَقْدِيرٍ، وهي شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الكائنات، مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ الحَادِثَاتِ، لا يخرج عنها شَيْءٌ عَلَى الإطلاقِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ أَدْعِيَةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرُّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» رواه أحمد. فكلماتُ الله هنا هيالكونيَّة؛ لأنَّه قال أنَّها لَا يُجَاوِزُهَا وَلَا يَخْرُجُ عَنْهَا بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ.
-الثَّانِيَةُ: إِرَادَةٌ دِينِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ: وتكون هذه في الطَّاعات والمعاصي؛ سَوَاءٌ وَقَعَتْ أَوْ لَمْ تَقَعْ، والمقصودُ: أنَّ ما أَمَرَنَا به اللهُ وَنَهَانَا عَنْهُ مُرَادٌ له إرادةً دينيَّةً شرعيَّةً؛ فقد تقع وقد لا تقع، أمَّا الإرادةُ الكونيَّةُفلابُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .
أي: اللهُ - سُبْحَانَهُ - بِعِلْمِهِ السَّابِقِ حينما خَلَقَكُمْ عَلِمَ مَنْ يعمل بعمل أهل الجنَّة، ومن يعمل بعمل أهل النَّار.
فالله حينما خَلَقَآَدَمَ وَمَسَحَ ظَهْرَهُ قال: «هؤلاء للجنَّة وبعمل أهل الجنَّة يعملون، وهؤلاء للنَّار وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّار يَعْمَلُونَ» . رواه أبو داوود و الترمذي
فهو عَالِمٌ وَبَصِيرٌ بِكُفْرِكُمْ وإيمانِكُمُ الَّذي هو عَمَلُكُمْ قَبْلَ أن تعملوه. لذلك لم يُعَامِلْهُمُ اللهُ بِعِلْمِهِ السَّابق فِيهِمْ، بل عَامَلَهُمْ بِعَمَلِهِمْ، وَعَمَلُهُمْ لم يَكُنْ يخالف عِلْمَهُ.
لِذَلِكَ وَكَّلَ اللهُ بِنَا مَلَائِكَةً يَكْتُبُونَ عَنَّا كُلَّ قَوْلٍ قُلْنَاهُ، وكلَّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ؛ إذا صَعِدَتِ ملائكةُ اللَّيْلِ، أو مَلائِكَةُ النَّهار الَّذين يتعاقبون في النَّاس، وجدوا أنَّ ما كتبوه عن العبد موافقًا ومطابقًا لما في اللَّوح المحفوظ.