فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 581

قوله: {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} .

فاللهُأَخْبَرَ في عِدَّةِ آَيَاتٍأنَّه لم يَخْلُقِ السَّماوات والأرضَ باطلًا، و لا عَبَثًا، وأنَّه ما خَلَقَهُمَا إلاَّ بالحقِّ.

نَعَمْ، اللهُ خَلَقَهُمَا على الحقِّأوَّلًا وَآَخِرًا؛ فَخَلَقَهما بالحقِّ وللحقِّ، وَشَاهِدَةً بالحقِّ؛ فَقَدْ خَلَقَ اللهُ السَّماوات والأرضَ لِيَعْرِفَ العبادُ كَمَالَ قُدْرَتِهِ، وإِحَاطَةَ عِلْمِهِ.

فنوَّع - سبحانه - الأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عليه؛ ليتعرَّف العبادُ عَلَيْهِ، فَتُنَوُّعُ المخلوقات واختلافُها فبينما هو ليلٌإذ جاء النَّهار وبينما هو صَحْوٌإذ جَاءَ غَيْمٌ، تَنَوُّعُأَفْعَالِهِ، وَمَخْلُوقَاتِهِ مِنْ أَعْظَمِ الأدلَّة الدَّالَّةِ على ربوبيَّته، وحِكْمَتِهِ، وَعِلْمِهِ، وَقُدْرَتِهِ.

فكلُّ حَرَكَةٍ في الكون تشاهدها على اختلاف أَنْوَاعِهَا هي دالَّةٌ على وَحْدَانِيَّةِ الله، وعلى المَعَادِ، وَشَاهِدَةٌ، وَرَسَائِلُ من المَلِيكِ الأَعْلَى لجميع النَّاس أنَّه إِلَهُ الخَلْقِ؛ ففي كلِّ شَيْءٍ لَهُآَيَةٌ تَدُلُّ على أنَّه وَاحِدٌ، وأنَّ اللهَ هو المَلِكُ الحَقُّ، وأنَّهُ هو الَّذي يستحقُّ العبادة.

فاللهُ لَمْ يَخْلُقِ النَّاسَ للتَّنَعُّمِ، واللَّعِبِ، واللَّهْوِ؛ فَمَنْ ظَنَّ أنَّ اللهَ خَلَقَهُمْ عَبَثًا لم يأمرهم ولم ينهاهم، فقد طَعَنَ في مُلْكِهِ وَلَمْ يَقْدُرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ.

فاللهُ لم يَخْلُقِ الخَلْقَ عَبَثًا، ولم يَتْرُكْهُمْ سُدًى، لا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يُثِيبُهُمْ، ولا يعاقبهم؛ فَسَبَبُ الجزاء، والثَّواب، والعقاب هو الأمرُ والنَّهْيُ.

فلماذا هبط آَدَمُ من الجنَّة هو وذرِّيَّتُهُ؟ لأنَّ اللهَ جَعَلَ الإيمانَ قَوْلًا، وعملًا، وجهادًا، وصبرًا، واحتمالًا، وهذا لا يكون إلاَّ في دار الامتحان والتَّكْلِيفِ.

فَخَلَقَ الكَوْنَ كُلَّهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ في سِتَّةِ أَيَّامٍ، وكان آَخِرُ المَخْلُوقَاتِآَدَمَ - عليه السلام -؛ خَلَقَهُ فِي آَخِرِ سَاعَةٍ؛ لأنَّه المَعْنِيُّ والمُكَلَّفُ بالعبادة.

قوله: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} .

خَلَقَ الإنسانَ في أحسن تقويمٍ؛ أي: أَحْسَنَأشكالكم؛ فالإنسانُ أَحْسَنُ المخلوقات صُورَةً وأَبْهَاهَا مَنْظَرًا.

فينبغي له كما أحسن اللهُ صُورَتَهُ أن يُحْسِنَ عَمَلَهُ، وإذا لم يَحْسُنْ عَمَلُهُ، رَدَّهُ اللهُ إلى أَسْفَلِ سَافِلِينَ كما في سورة التِّين، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ عَرَضَ التَّكالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَيْهَا، فأشفقت منها، وَحَمَلَهَا الإنسانُ، فاستحقَّ أن يكون المخلوقَ الأوَّلَ إذا أطاع اللهَ، وإذا عصى ربَّه رَدَّهُ إلى أسفل سافلين.

قوله: {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} .

هذه هي الغايةُ الَّتي تُرَادُ بالعباد؛ الجَزَاءُ بِالعَدْلِ والفَضْلِ؛ الكَافِرُ يَدْخُلُ النَّارَ بِعَدْلِهِ - سبحانه - والمُؤْمِنُ يَدْخُلُ الجنَّة بِفَضْلِهِ.

ولذلك لا يَنْتَهِي الأَمْرُ عند الموت؛ فاللهُ قَضَى وَحَكَمَ أنَّ الدُّنْيَا دَارُ عَمَلٍ، وَبَلاغٍ، وَمَتَاعٍ إلى حِينٍ، وَكَتَبَ المَوْتَ على كلِّ نَفْسٍ، ثمَّ قضى وَحَكَمَ - سبحانه - أنَّ الخَلْقَإِلَيْهِ يُحْشَرُونَ، وَعِنْدَهُ يَخْتَصِمُونَ، فلا يقفالأمر عند الموت، إذًا لَسَوَّى الله بين المؤمن والكافر والمفسد والمصلح.

بل الكلُّ سيصير إلى الله ويحاسبه على أعماله ويجازيه بها.

قوله: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} .

فيها بَيَانُإِحَاطَةِ عِلْمِهِ، وَأَنَّ العِلْمَ كُلَّهُ لَهُ، وأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ فَهُوَ عَالٍ فَوْقَ مَخْلُوقَاتِهِ، وَعِلْمُهُ في كلِّ مَكَانٍ؛ فَبِعِلْمِهِ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأَرْضِ، وَبِعِلْمِهِ يَعْلَمُ ما يُسِرُّهُ العبادُ وَيُعْلِنُونَهُ، وَبِعِلْمِهِ ذَوَاتَ الصُّدُورِ.

قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} .

هذا تَقْرِيرٌ وَتَأْكِيدٌ لكلِّ ما سبق من إحاطة علمه بجميع خَلْقِهِ، وأنَّهُ يعلم الأمورَ النَّفْسِيَّةَ؛ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت