فيتعيَّن على العَاقِلِ البَصِيرِ أَنْ يُرَاقِبَ الله في خَطَرَاتِ قَلْبِهِ المهلكة، والوساوس المُرْدِيَةِ، وَيَسْتَغْفِرَ الله ممَّا انْطَوَى عليه ضَمِيرُهُ من القبائح والمعائب الَّتي يعلمها اللهُ منه، ولا ترضيه عنه، يَقُولُ اللهُ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} .
فَتَكْرِيرُ عِلْمِهِ فيه مَعْنَى الوَعِيدِ؛ فيتعيَّن على المؤمن أن يَتَّقِيَهُ وَيَحْذَرَ ولا يَتَجَرَّأَ على الله.
لمَّا ذَكَرَ اللهُ - سبحانه - أنَّه إِلَهُ الخَلْقِ جَمِيعًا، وأنَّ مَا مِنْ شَيْءٍإلاَّ يُسَبِّحُهُ وَذَكَرَأَوْصَافَهُ العَظِيمَةَ، وَكَمَالَ ذَاتِهِ، وَصِفَاتِ كَمَالِ قُدْرَتِهِ حتَّى يعرفوا ربَّهم فيعبدوه وَحْدَهُ، شَرَعَ - سُبْحَانَهُ - بَعْدَ ذلك مذكِّرًا عِبَادَهُ بأحوال من كذَّب من الأمم السَّابقة، وكُفْرِهِمْ بالله، وماذا حلَّ بهم مِنْ خِزْيِ الدُّنيا وعذاب الآخرة.
قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} .
الاستفهامُ هُنَا للتَّقْرِيرِ؛ أي: قد أتاكم.
قوله: {نَبَأُ} أي: خَبَرَ الَّذين مِنْ قَبْلِكُمْ من الأُمَمِ السَّابقة، وما حَلَّ بهم من عقوباتٍ، وكان عَذَابُهُمْ اسْتِئْصَاليًّا؛ فلا يبقى إلاَّ مُؤْمِنٌ؛ بسبب كفرهم، وتكذيبهم لِرُسُلِهِمْ.
قوله: {فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} .
أي: عاقبةَ كُفْرِهِمْ، وَتَكْذِيبِهم بالحقِّ؛ عَذَابٌ في الدُّنيا وما حلَّ بهم من الهلاك والخراب.
قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
أي: عذابَ النَّار وَدُخُولَهَا.
وهذه عاقبةُ من لم ينظر إلى عواقب الأمور وَمَآَلاتِهَا، والنَّظر في عواقب الأمور يَقِي الإنسانَ الأَذَى، والنَّدَمَ وكلَّ ما يكرهه.
ثمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ في هذه العقوبات الَّتي حلَّت بهم.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} .
هي الحجُّج، والبراهينُ الَّتي تَدُلُّ على صِدْقِ الرُّسُلِ.
وتشمل المُعْجِزَاتِ، و الحَوَادِثَ، والوقائع، والمَصَائِبَ، والكوارثَ، والوَحْيَ.
قوله: {فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} .
تعجَّبوا وتكبَّروا أن يكون بَشَرٌ له سُلْطَةٌ عليهم، فيكون آَمِرًا وناهيًا، وتكبَّروا على رُسُلِهِمْ، وتكبَّروا على الحقِّ، والمتكبِّر في نَفْسِهِ لا يَقْبَلُ الحقَّ؛ لِنَعْلَمَ أنَّ مِنْأَرْكَانِ الكفر الكِبْرَ والحَسَدَ؛ فَمَنَعَهُمُ الكِبْرُ وهو قولُهم «أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا؟»
هذا من السُّخْرِيَةِ والاستهزاء بِرُسُلِ الله، يريدون أن يأتيهم مَلَكٌ من السَّماء، فَحَجَبَهُمْ عن الحقِّ والسَّعادةُ بَشَرِيَّةُ المُرْسَلِ، وأن تكون هدايتُهم على يَدِ بَشَرٍ مِثْلِهِمْ كما قال فِرْعَوْنُ وقومُه: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} .
ولله حِكْمَةٌ في أن يكون الرَّسولُ من جنس البَشَرِ؛ حتَّى يعرفوه، ويعرفوا كَلامَهُ، ولو جاءهم مَلَكٌ لقالوا لا نَعْرِفُهُ، فكيف نصدِّقه؟
ولذلك قَالَ جَعْفَرٌ للنَّجَاشِيّ: «جَاءَنَا رَجُلٌ نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ» .
وهذه التُّهْمَةُ مُسْتَمِرَّةٌ في كلِّ زَمَانٍ؛ فَكَثِيرٌ من النَّاس ينظرون إلى الدَّاعي ولا ينظرون إلى فَحْوَى ومضمون الدَّعوة، فتسمع من يقول بِسُخْرِيَةٍ: متى صار داعيةً؟ متى صار كذا وكذا؟
فالَّذي يحجبهم عن الحقِّ كَرَاهِيَةُ الدَّاعية؛ إمَّا لِحَسَدٍ، أو انتقاصٍ للدَّاعي.
قوله: {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا} .