أي: كفروا بالرُّسُلِ؛ فلم يصدِّقوا، وأعرضوا فلم يعملوا؛ فهؤلاء اسْتَغْنَوا بأنفسهم، وبقوَّتهم، وبما أعطاهم اللهُ عن ربِّهم وكذَّبوا بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، فهلكوا، ومن يستغنِ عن الله طَرْفَةَ عَيْنٍ هَلَكَ وَكَفَرَ وَصَارَ من أهل الحين والحين يعاني العذاب والهلاك.
قوله: {وَاسْتَغْنَى اللَّهُ} .
لم يَقُلِ اللهُ تعالى: {غنيٌّ عنهم} بَلْ قَالَ: {وَاسْتَغْنَى اللَّهُ} كما قال الله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} و {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} .
أي: كان اللهُ في غِنًى عن إيمانهم، وطاعتهم، وعبادتهم له، فأهلكهم وَقَطَعَ دَابِرَهُمْ، كما قال الله تعالى: {إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} .
فلو كَفَرَ أَهْلُ الأرض كلُّهم مَا نَقَصَ مِنْ مُلْكِ اللهِ شَيْئًا، ولو آمنوا جميعًا، ما زاد في ملك الله شيئًا.
قوله: {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} .
غِنَاهُ وَحَمْدُهُ ثَابِتٌ له؛ لأنَّه أَمْرٌ ذَاتِيٌّ له، وَفَقْرُ العِبَادِإِلَيْهِ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ.
الغِنَى الكَامِلُ المُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ الَّذي لانَقْصَ فيه هو لله؛ فاللهُ غَنِيٌّ عن عبادتنا، وعن خلقه جميعًا؛ أطاعوه أم عَصَوْهُ.
لكنَّه يأمرنا بطاعته لمصلحتنا؛ فأوَّل من يَجْنِي ثَمَرَةَ هَذِهِ العِبَادَاتِ هو الإنسانُ؛ لأنَّ مَصْلَحَتَنَا في عبادته.
وَحَمِيدٌ أي: مَعَ غِنَاهُ التَّامِّ مِنْ كلِّ وَجْهٍ فهو حَمِيدٌ؛ أي: المحمودَ في أَقْوَالِهِ، وأَفْعَالِهِ، وَصِفَاتِهِ وَيَحْمَدُهُ كلُّ مَخْلُوقٍ؛ فَغِنَاهُ وَحَمْدُهُ يَأْبَى أن يُمْهِلَ هؤلاء؛ ولمَّا اسْتَغْنَوْا عن الله، استغنى اللهُ عنهم، واستخلف قومًا غيرهم، ولا يضرُّونه شيئًا.
قوله: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} .
زَعَمَ؛ أَيْ الِادِّعَاءَ، وهو القولُ بلا دَلِيلٍ، أو الخَبَرُ الَّذي يغلب عليه الكذب.
فالكفَّارُأَنْكَروا الرُّسُلَ في الآية السَّابقة، وهنا أيضًا أنكروا البَعْثَ؛ فهم يُعْجِزُونَ الله الَّذي خلقهم أوَّلَ مَرَّةٍ أن يعيدَهم مرَّةًأُخْرَى.
فأَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - أن يُقْسِمَ بِرَبِّهِ على وقوع المعاد، وأنَّه كَائِنٌ لا مَحَالَةَ، وقرَّره في ثلاث آَيَاتٍ في كِتَابِهِ؛ في سورة يونس: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ أي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أنتم بِمُعْجِزِينَ} .
وفي سورة سبأ: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} .
وفي هذه السُّورة: {قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} .
وقد قرَّر اللهُ البَعْثَ في عدَّة آياتٍ في كتابه؛ في نِهَايَةِ سُورةِ يس استدلَّ بالبَدَاءَةِ على الإعادة؛ {قلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} .
واستدلّأيضًا باستخراج الضِّدِّ مِنْ ضِدِّهِ؛ فَقَدْأخرج النَّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ، فكذلك اللهُ قَادِرٌعلى إخراج الشَّيْءِ مِنْأَصْلِهِ.
واستدلّأيضًا بأنَّ خَلْقَ السَّماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاس.
وكلُّها تقرِّرُ البَعْثَ بَعْدَ الموت.
قوله: {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} .
ثمَّ تُخْبَرُونَ بِجَمِيعِ أعمالكم جَلِيلِهَا وحقيرها، وَتُجْزَوْنَ عليها؛ لأنَّ الحِكْمَةَ مِنَ البَعْثِ: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} .
قوله: {وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .
أي: بَعْثَكُمْ وَمُجَازَاتَكُمْ؛ يَقُولُ الله تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} .
فالبَعْثُ يَسِيرٌ على الله، وإِنْ كان على الخَلْقِ عَسِيرًا.