فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 581

فالحِسَابُ يَوْمَ القيامة رَغْمَ كَثْرَةِ المكلَّفين يكون دَفْعَةً واحدةً في سرعةٍ عَظِيمَةٍ كما وَصَفَ اللهُ نَفْسَهُ العَلِيَّةَ: {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} ، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .

قوله: {فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} .

لمَّا أَقْسَمَ على وقوع البعث، وأنَّه كَائِنٌ وَوَاقِعٌ لامَحَالَةَ ذَكَرَ لهم نُورَيْنِ عَظِيمَيْنِ، وهما الإيمانُ وَالقُرْآنُ.

وسمَّى اللهُ القُرْآَنَ نُورًا: لأنَّه نُورٌ يَهْتَدِي بِهِ المُؤْمِنُ في ظُلُمَاتِ الجَهْلِ.

والله - سبحانه وتعالى - سمَّى نَفْسَهُ نُورًا، وَجَعَلَ كِتَابَهُ نُورًا، وَرَسُولَهُ نُورًا، وَدِينَهُ نُورًا، وَاحْتَجَبَ عَنْ خَلْقِهِ بالنُّور، وَجَعَلَ دَارَ أَوْلِيَائِهِ نُورًا يَتَلَأْلَأُ.

والمُؤْمِنُ يَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ على قَدْرِ نُورِهِ، ومن تَدَبَّرَ القرآنَ زاد نُورُه وَتَمَّ نُورُه على الصِّراط.

قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} .

أي: فلا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ خَافِيَةٌ.

قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ} .

هو يَوْمُ القِيَامَةِ، وَسُمِّيَ بِيَوْمِ الجَمْعِ لانه يجمع فيه الأوَّلون والآخرون في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يسمعهم الدَّاعي وينَفُذَهُمُ البَصَرَ.

فيُحْشَرُونَ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرًّلا، بُهْمًا حتَّى يُحَاسِبَ اللهُ الإنسانَ على كلِّ قولٍ قَالَهُ، وعلى كلِّ عَمَلٍ عَمِلَهُ؛ فَيُحْشَرُ الإنسانُ في ثَوْبِ عَمَلِهِ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

أَسَاسُ كلِّ خَيْرٍ أن تُعْلِم أنَّك إلى الله صَائِرٌ، وأنَّكَ سَتُسْأَلُ عن هَذِهِ الرُّوح الَّتي أَنْفَقْتَأيَّامها ولياليها في طاعة الله أو مَعْصِيَتِه.

قوله: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} .

فسمِّي بِيَوْمِ التَّغابن؛ لأنَّ أَهْلَ الجنَّة غَبَنُوا أَهْلَ النَّارِ، فربحت فيه صَفْقَةُ المُؤْمِنِينَ، وَخَسِرَتْ فِيهِ صَفْقَةُ الكَافِرِينَ.

فَنُزُولُ السُّعَدَاءِ مَنَازِلَ الأَشْقِيَاءِ الَّتي كَانُوا يَنْزِلُونَهَا لو كانوا سعداءَ، ونُزُولُ الأشقياء منازلَ السُّعَدَاءِ الَّتي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياءَ، فَحَصَلَ الرِّبْحُ والخَسَارَةُ في حقِّ الفريقين.

فيا خَسَارَةَ من اشتغل بدنياه وغَفَلَ عن الآخرة، فَخَسِرَ الدُّنيا والآخرة.

قال ابْنُ عَبَّاسٍ: «ولا غَبْنَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَغْبِنَ أَهْلُ الجنَّةِ أَهْلَ النَّارِ» . فَيَغْبِنَ أَهْلُ الجنَّة أهلَ النَّار؛ لِكَوْنِ أَهْلِ الجنَّة سعداء، وأهل النَّار أشقياء.

ثمَّ بَيَّنَ اللهُ بِأَيِّ شَيْءٍ يَحْصُلُ التَّغابُنُ؛ بِسَبَبِ الإيمان والكفر؛ فالمُؤْمِنُ غَابِنٌ وَرَابِحٌ، والكَافِرُ مَغْبُونٌ وَخَاسِرٌ.

ثمَّ ذَكَرَ جَزَاءَ الغَابِنِ والمَغْبُونِ؛ فَهُمَا صِنْفَانِ:

-الصِّنْفُ الأوَّلُ: هُمْ أَهْلُ الإيمان والعَمَلِ الصَّالح، فَرَبِحَتْ صَفْقَتُهُمْ، وَرَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ، فكانت رابحةً، فباعوا أنفسهم بالجنَّة.

قوله: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا} .

متى يَكُونُ العَمَلُ صَالِحًا؟ بِشَرْطَيْنِ:

-صحَّة الإيمان: وهو الإيمانُ بِكُلِّ مَا يَجِبُ الإيمانُ به.

-صحَّة العمل: بالإخلاص والموافَقة للسُّنَّة.

ثمَّ بَيَّنَ اللهُ مُكَافَأَةَ المُؤْمِنِ بَعْدَ ذَلِكَ.

قوله: {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت