فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 581

الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ يُكَفِّرُ اللهُ بِهَا الذُّنُوبَ الصَّغَائِرَ، أمَّا الكَبَائِرُ فلا تُكَفَّرُإلاَّ بِتَوْبَةٍ مِنْهَا؛ فإن مات ولم يَتُبْ مِنْهَا، دَخَلَ تحت المَشِيئَةِ؛ إن شَاءَ اللهُ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ.

والمكافأةُ الثَّانِيَةُ: دُخُولُ الجنَّة؛ جَمَعَ اللهُ فيها الخيرَبحذافِيرِهِ؛ ففيها ما تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وتَلَذُّ الأَعْيُنُ؛ فكلُّ لَذَّةٍ وَكُلُّ نِعْمَةٍ في الدُّنيا ففي الجنَّة ما هو أَكْمَلُ وأَفْضَلُ من كلِّ الوجوه.

قوله: {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .

أي: النَّجَاةَ من النَّار، والفَوْزَ بالجنَّة.

ثمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثَّاني؛ وهو الفريقُ المغبونُ؛ كفروا بالله وكذَّبوا بآياته، فخسرت صفقةُ الكافر؛ لأنَّهم اشتروا الضَّلالةَ بالهدى، والعذابَ بالمغفرة، فما رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}

ثمَّ ذَكَرَ في نهاية السُّورَةِ المُنْجِيَاتِ مِنَ الغَبْنِ؛ الإيمانَ، وطاعَةَ اللهِ وَرَسُولِهِ، والإنْفَاقَ.

قوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ} .

المُصِيبَةُ: هي ما يُبْتَلَى به النَّاسُ ممَّا يؤذيهم، وهذا عامٌّ لجميع المصائب، في النَّفس، والمال، والولد، والأحباب، ونحوهم؛ فجميع ما أصاب العباد، بقضاء الله وَقَدَرِهِ، قد سبق بذلك عِلْمُ الله - تعالى - وجرى به قَلَمُهُ، وَنَفِذَتْ به مشيئتُه، واقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ.

والمصيبةُ قدَّرها اللهُ للابتلاء والامتحان؛ ليرى من يصبر على قضائه وَقَدَرِهِ، ومن يَسْخَطُ؛ فَمَنْ رَضِيَ، وَصَبَرَ، وَرَجَعَ إلى ربِّه بالتَّوْبَةِ والرِّضا فله الرِّضا، وَمَنْ جَزِعَ، وَسَخِطَ، ولم يَصْبِرْ فَلَهُ السَّخَطُ.

فالصَّبْرُ على أقدار الله من الإيمان.

بَقِيَ ملحظٌ مُهِمٌّ:

كيف يبتلي اللهُأَحْبَابَهُ؟ لأنَّه إن كان مذنبًا ولا يكاد أحدٌ يَخْلُو من ذَنْبٍ، كان الابتلاءُ نِعْمَةً ورحمةً؛ فهو تكفيرٌوتطهيرٌمن الذَّنب فيما مضى.

ففي الأحاديث القدسية: «أَبْتَلِيهِمْ بِالمَصَائِبِ لأطهِّرَهُمْ مِنَ المَعَائِبِ» . موضوع مكذوب.

فالمصائبُ تَكْفِيرٌ وَتَذْكِيرٌ؛ يقول الله تعالى: {أوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} .

وأمَّا إِنْ كَانَ مُحْسِنًا، فالمصيبةُ سَبَبٌ في رَفْعِهِ الدَّرجات؛ «إِذَا سَبَقَتْ لِلعَبْدِ مِنَ اللهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ، ابْتَلاهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ المَنْزِلَةَ الَّتي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى» .أخرجهأَحْمَدُ وأبُو دَاودٍ وصحَّحه الألبانيُّ.

فالمصيبةُ رِفْعَةٌ؛ لأنَّ اللهَإذاأحبَّ عَبْدًا وأراد أن يرفع درجاته فكما حصل لِعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ؛ أراد الله أن يرفع درجاتهم، فجعلهم شهداءً.

وكذلك ما ورد: «يا رسولَ اللهِإنَّك تُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا» ، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ» أخرجه البخاري ومسلم، لأنَّ عِظَمَ الجزاء مع عِظَمِ البلاء.

فالابتلاءُ رِفْعَةٌ للدَّرجات، وَتَكْفِيرٌ للسَّيِّئَاتِ؛ ليرقِّيهم اللهُ.

وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ» . المنذري و الهيثمي في مجمع الزوائد، هذا صَرِيحٌ في حصول الابتلاء لِمَنْأحبَّه الله؛ فمن صَدَقَ مع الله ابتلاه اللهُ.

اللَّهمَّ لا تَبْتَلِنَا فتفضحَنا، وعَافِنَا قبل ذلك، وإن كان لنا دَرَجَةٌ تبلِّغنا إيَّاها ببلاءٍ فَعَفْوُكَ أَعْظَمُ، فبلِّغناها بعفوك، ومعافاتك، وعاملنا بفضلك ورحمتك.

قوله: {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} أَيْ: بِقَضَاءِ الله، وَقَدَرِهِ، وَمَشِيئَتِهِ.

قوله: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت