فسَّرها عَلْقَمَةُ عندما قرئ عنده هذه الآية فقال: هو الرَّجلُ تصيبه المصيبةُ، فيعلم أنَّها من عند الله، فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ.
فمن عَلِمَ أنَّ المصيبة من الله وأنَّها بسبب ذنوبه، وأنَّ الله قدَّرها عليه، فَصَبَرَ عليها، رَزَقَهُ اللهُ هِدَايَةً في قَلْبِهِ.
وإذا اهتدى القلبُ، اهْتَدَتِ الجَوَارِحُ؛ ففي الحديث: أنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قال لابنه الوليد: «يَا بُنَيِّإنَّك لن تجد طَعْمَ حَقِيقَةِ الإيمان حتَّى تعلم أنَّ ما أَصَابَكَ لم يكن لِيُخْطِئَكَ، وما أَخْطَأك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ» .
كم مِنْأُنَاسٍأَصَابَتْهُمْ مَصَائِبُ عَظِيمَةٌ، وتراه تَهُونُ عليه المُصِيبَةُ، وكم مِنْأُنَاسٍأَقَلُّ مُصِيبَةً يَضْعُفُإِيمَانُهُ وَيَقِلُّ صَبْرُهُ وَيَكْثُرُ جَزَعُهُ.
وَلَوْأَيْقَنَأنَّها من عند الله وَبِقَدَرِهِ، لَمَا تَحَسَّرَ ولا تَضَجَّرَ؛ فَقَوِيُّ الإيمان تراه يتلقَّى المصيبة أو الأمرَ الَّذي لم يكتب له تراه يردِّد بكلِّ ثِقَة: «قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» .
وضعيفُ الإيمان تراه يَلُومُ نَفْسَهُ، لكن لو تحسَّر الإنسانُ على فوات طاعةٍ فلا حَرَجَ، كما في الحديث: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْأَمْرِي ما استدبرت ... » . رواه مسلم و أبو داوود و النسائي.
وأمَّا إذا تحسَّر على أمر الدُّنيا فَفِيهِ حَرَجٌ؛ لأنَّ «لَوْ» تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ وَضَعْفُإيمَانٍ.
ولذلك قال اللهُ لرسوله - صلى الله عليه وسلم: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} ؛ فَنُهِيَ عن التَّشَبُّهِ به في الحالة الَّتي أَفْضَتْ بِيُونُسَ إلى التقامِ الحوت؛ وهي ضَعْفُ العزيمة، وصبره لحكم ربِّه.
ومفهومُ الآية: أنَّ مَنْ لم يؤمن بالله وقضائه وقَدَرِهِ عند المصائب، فإنَّ اللهَ يُضِلُّ قَلْبَهُ؛ فيزدادَ بَلاءً على البلاء.
قوله: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .
أي: يعلم سرائرَ قلوبكم، وأَحْوَالَأعمالكم، وآفاتِهَا؛ فيجازيَ كلًا بِعَمَلِهِ.
قوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} .
دينُ الله - جلَّ وعلا - يَقُومُ على ثلاثة أمورٍ:
1 )) أَمْرٍ يجب أن نقوم به.
(2) نَهْيٍ يجب أن نجتنبه.
(3) قَدَرٌ يجب أن نرضى به.
فَيَجِبُ علينا طاعةُ الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا سيَّما عند حصول المصائب، وَمِنْ ثَمَّ قَرَّرَ اللهُ في عدَّةِ آَيَاتٍ ثَمَرَةَ من أطاع اللهَ ورسولَه - صلى الله عليه وسلم -، وعقوبةَ من عصاهما، فقال: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .
الفوز أي: بالجنَّة.
وفي المقابل: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} ؛ وذلك بدخول النَّار.
قوله: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} أي: عَنْ طَاعَةِ الله ورسوله.
فالهدايةُ بِيَدِ الله، وما على الرَّسول إلاَّ البلاغُ.
وَجَعَلَ اللهُ الذُّلَّ والصَّغار على مَنْ خَالَفَأَمْرَهُ؛ فَيَتَعَيَّنَ على كلِّ عَاقِلٍ الحَذَرُ من مُخَالَفَةِ أَمْرِ الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه قد تصيبُه فِتْنَةٌ أو عَذَابٌأَلِيمٌ.
قوله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} .
في الآية السَّابقة بيَّن اللهُ الرِّضا بالمقدور قَبْلَوُقُوعِهِ، وهنا حَثَّ على التَّوكُّلِ في دَفْعِ المقدور قَبْلَ وُقُوعِهِ.
فَمَنْ حَقَّقَ الإِيمَانَ وَالتَّوْحِيدَ، وصَدَقَ تَوَكُّلُهُ، وَحَسُنَ ظَنُّهُ بِاللهِ؛ فإن الله كافيه؛ لأنَّ التَّوَكُّلَ مُرْتَبِطٌ بالإيمان والإسلام، والتَّقوى.