فَمَنْ عَظُمَإيمَانُهُ وَتَوْحِيدُهُ، عَظُمَ تَوَكُّلُهُ، وَمَنْ قَوِيَإيمَانُهُ وَتَوْحِيدُهُ، هَانَتْ عَلَيْهِ المصائبُ، بِسَبَبِ قوَّة إيمانه، وَيَقِينِهِ بأنَّ المُصِيبَةَ مِنَ الله، وأنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا، وَتُكَفَّرُ ذُنُوبُه، وَتُرْفَعُ دَرَجَاتُهُ، وتزهِّده في الدُّنيا.
وعلم أنَّ النَّاسَ لا يملكون ضَرًّا ولا نَفْعًا، والله لا يقضي للمؤمن إلاَّ ما فيه خَيْرٌ له؛ فلو كُشِفَ للعبد القضاء لما اختار إلاَّ ما اختاره اللهُ له.
وفي حَدِيثِ المَرْأَةِ الَّتي تُصْرَعُ حينما بيَّن نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - أنَّ صَبْرَهَا عليه يُدْخِلُهَا الجنَّةَ قالت: «أَصْبِرُ» أخرجه البخاري.
وفي قصَّة الخَضِرِ حِينَمَا بَيَّنَأنَّمَا فَعَلَ ما فعل فقال: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} ظهر أنَّ كلَّ موقفٍ ظاهرهُ شَرٌّ، وباطنُه خيرٌ.
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} نادى أهلَ الإيمان؛ ليحذِّرَهم مِنَ الفِتَنِ.
قوله: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} .
ليس المُرَادُ بالعَدَاوَةِ ما يفهمه كَثِيرٌ من النَّاس عَدَاوَةَ البغضاء والمحادَّة، إِنَّمَا هي عداوةُ المحبَّة الصَّادَّة للآباء عن الهجرة، والجهاد، والخير، والطَّاعة، والصَّدقة، والحجِّ وغير ذلك من أُمُورِ الدِّين وأعمال البِرِّ.
وفي هذه الآية بيَّن - سبحانه - أنَّ بَعْضَ الأزواج والأولاد قد يتسبَّبون في منع الإنسان من الخير ومن الهداية ومن طاعةِ الله بسبب حبِّهم لأزواجهم أو أولادهم، فَمَنَعُوهُم من الخير؛ مَحَبَّةً لهم.
وليس عَدَاوَةً لهم؛ فعرَّضوهم لعقوبة الله، فصاروا كأنَّهم أعداء، كما في سبب نزول هذه الآية عِنْدَ الإمام التِّرمذيِّ عن ابن عبَّاسٍ؛ سَأَلَهُ رَجُلٌ عن هذه الآية فقال: «إنَّأناسًا من المسلمين مِنْ أَهْلِ مَكَّةَأرادوا الهِجْرَةَ مَعَإخوانهم إلى المدينة، فتعلَّق بهم أولادُهم وأزواجُهم ليمنعوهم من الهجرة، فلمَّا أَتُوا رسولَ الله وَرَأَوُا النَّاسَ قد فَقِهُوا في الدِّين، همُّوا أن يعاقبوهم، فَأَنْزَلَ اللهُ هذه الآية» .
وما أكثر ما فات العَبْدَ من الخير والكمال والفلاح بسبب زوجته وولده!
وفي الجانب الآخر قد يتسبَّبون في وقوعهم في المعاصي، بسبب حبِّهم لأزواجهم وأولادهم؛ فهم لا يريدون المعاصي، ولكن محبَّة لَهُمْ وَقَعُوا فيها يَعَيِّرونَهُ بضيق المعيشة، فَيَتَكَلَّفَ ما لا يُطِيقُ حتَّى يورده مواردَ الهلكة.
وفي الحديث: «إنَّ الولدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ مَحْزَنَةٌ» صحيحٌ، «صحيح الجامع» .
وعند البزَّار: «الوَلَدُ ثَمَرَةُ القُلُوبِ، وَإِنَّهُمْ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ» .
ولذلك كان أئمَّتُنا يقولون: طالبُ العلم إذا تزوَّج فقد ركب البحر، فإذا وُلِدَ له فقد انكسرت به السَّفينةُ.
والمعنى أنَّه قد كَثُرَتِ المَخَاطِرُ حَوْلَكَ؛ فيَدْخُلَ كلَّ مَدْخَلِ سُوءٍ؛ فهو يغشُّ ويكذب ويحتال ويرابي من أجل أن يحصِّل القوتَ لِعِيَالِهِ.
وفي الحديث عن فضالةِ بْنِ عُبَيْدٍ - رضي الله عنه وأرضاه- قال: سمعتُ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: «اللَّهمَّ مَنْ آَمَنَ بِكَ وَشَهِدَأَنِّي رَسُولُكَ- عليه الصَّلاة والسَّلام - فَحَبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَكَ، وَسَهِّلْ عَلَيْهِ قَضَاءَكَ، وَأَقْلِلْ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا» .أخرجه ابن حبان والمنذري والهيثمي و صححه الألباني في صحيح الترغيب.
وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِكَ، وَلَمْ يَشْهَدْأَنِّي رَسُولُكَ - عليه الصَّلاة والسَّلام - فَلَا تُحَبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَكَ، وَلَا تُسَهِّلْ عَلَيْهِ قَضَاءَكَ، وَكَثِّرْ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا». رواه ابنُأبي الدُّنيا، وهو في «المجمع» .
فالمؤمنُ دعا له: «وَأَقْلِلْ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا» ، وَغَيْرُ المؤمن: «وَكَثِّرْ له مِنَ الدُّنْيَا» .
اللَّهمَّ إنَّا نسألك من كلِّ خَيْرٍ أحاط به علمُك في الدُّنيا والآخرة، ونعوذ بك من كلِّ شرٍّ أحاط به علمُك في الدُّنيا والآخرة.
قوله: {فَاحْذَرُوهُمْ} .