-وقيل: «عَصْرُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -» .
وأظهرُها وأقواها أنَّه الزَّمَنُ، فأقسم اللهُ بالعصر: وهو الزَّمان. ولا يُقْسِمُ - سبحانه - إلاَّ بِعَظِيمٍ؛ لِمَا فيه من العِبْرَةِ والعِظَةِ.
فهو مَحَلُّأَفْعَالِ العباد، وأعمالهم من الخير والشَّرِّ؛ فهو زَمَانٌ يَرْبَحُ فيه المؤمنون، وَزَمَانٌ يَخْسِرُ فيه المُعْرِضُونَ الضَّالُّون.
قال الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «يا ابْنَآَدَمَ إنَّما أنت بِضْعَةُأَيَّامٍ، كلَّما مرَّ عليك يَوْمُكَ، ذَهَبَ بَعْضُكُ، وإذا ذَهَبَ البَعْضُ، يُوشِكُأَنْ يَذْهَبَ الكُلُّ» .
وما مِنْ يَوْمٍ يَنْشَقُّ فَجْرُهُ إِلاَّ وَيُنَادِي: «يا ابْنَ آَدَمَ أَنَا خَلْقٌ جَدِيدٌ، وعلى عَمَلِكَ شَهِيدٌ، فتزوَّد مِنِّي؛ فإنِّي لا أَعُودُ إلى يوم القيامة» .
وهو أيضًا وَقْتٌ لِفَرِيضَةٍ عظيمةٍ .. ففي الحديث عند البخاريِّ في «صحيحه» : «مَنْ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ، حَبِطَ عَمَلُهُ» . مَنْ فَاتَتْهُ صلاةُ العصر، فكأنَّما وُتِرَ أهلَه ومالَه.
وَيُحَاسَبُ الإنسانُ على الزَّمن والعُمُرِ الَّذي أُعْطِيَهُ؛ «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» . التِّرْمِذِيُّ عن أبي برزةَ.
الكثيرُ يُلْقِي اللَّوْمَ على الزَّمان والدَّهر، والزَّمانُ وِعَاءٌ مِثْلُ المكان؛ ليس السِّرُّ في السَّنوات، لكن كيف تَعِيشُهَا.
نبيُّنا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - لَبِثَ فِي قَوْمِهِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ عامًا، أَخْرَجَ النَّاسَ في هذه الأعوام القَلِيلَةِ من الظُّلماتِ إلى النُّور، وَغَيَّرَ وَجْهَ التَّاريخ البشريِّ.
نَعِيبُ زماننا والعيبُ فينا *** وما لزماننا عَيْبٌ سِوَانَا
إنَّما يُلامُ النَّاسُ على أفعالهم وأقوالهم. نَصَحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عبدَ الله بن عمروٍ: «كَيْفَ بِكَ إذا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ، قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فَصَارُوا كَذَا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «اعْمَلْ بِمَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَإِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللهِ» . أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، و رواه أحمد و ابوداوود و ابن ماجة موصولا ..
بَقِيَ على ماذا يقسم الله؟ أو ما هو الشَّيْءُ المُقْسَمُ عليه أو جَوَابُ القَسَمِ؟
قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} : مَجِيءُ الخَسَارَةِ هنا مُؤَكَّدٌ بـ «إنَّ» وباللاَّم المُزَحْلَقَةِ؛ ممَّا يُفِيدُأنَّ المُخَاطَبِينَ لايُقِرُّونَ بالخسارة، أو هم في شَكٍّ منها، ولذلك الواقعُ الكفَّارُ وَأَهْلُ الغَفْلَةِ لايقرُّون بالخسارة، ويرون أنَّهم الرَّابحون، ولذلك أَكَّدَ اللهُأنَّ الإِنْسَانَ فِي خُسْرٍ بإنَّ واللاَّمَ معًا.
الإنسانُ جِنْسٌ يَشْمَلُ عُمُومَ الخَلْقِ؛ أي: كلُّ النَّاس في خسارةٍ وهلاكٍ، وجاءت نَكِرَةًإِشَارَةً إلى عَظَمَةِ الخسارة.
والسُّؤالُ: لماذا هم في خسارةٍ؟ ولم يبيِّن هنا نَوْعَ الخسران في أيِّ شَيْءٍ، بل أَطْلَقَ؛ لِيَعُمَّ وَيُشْعِرَ بحَالِ العَمَل.
فأمَّا الخسرانُ بالكفر فقد يبلغ الكافرُأَعْلَى درجات المَجْدِ في الدُّنيا، ولكن إذا نزل به الموتُ، خَسِرَ الدُّنيا والآَخِرَةَ.
أمَّا الخُسْرَانُ بترك العمل فكما في قوله تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَاولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ} .
خَسَارَةُ المَالِ تَهُونُ، خسارةُ الزَّوجة تهون، خسارةُ الولد تهون؛ لأنَّهَا مصائبُ يُؤْجَرُ المَرْءُ عليها، وَيُعَوَّضُ عنها {وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .
هذا دَلِيلٌ على أنَّأَكْثَرَ الخَلْقِ في ضلالٍ؛ فلا ينجو من الأَلْفِ إلاَّ وَاحِدٌ، عَدَدُ البشر- اليوم - سَبْعَةُ ملياراتٍ؛ أَهْلُ الإيمان مليار والبقيَّة مع الشَّيطان.