فهرس الكتاب
فهذه السُّورَةُ تُعَالِجُ أمراضَ العصر؛ فقد تناولت الَّذين يعيبون في النَّاس ويطعنونفي أعراضهم، وتحدَّثت عمَّن ليس همُّه سِوَى جمع المال وتكديسه، ثمَّ تولَّد من شدَّة حرصه على جمع المال طُولُ الأمل، حتَّى توهَّم الخلودَ.
وَخُتِمَتِ السُّورَةُ بعقوباتِ مَنِ اتَّصَفَ بهذه الصِّفات، وَمَصِيرِهِ في الآخرة.
فتعالوا لَنَقِفَ جميعًا على هذه الصِّفات الخطيرة الَّتي رَتَّبَ اللهُ عليها هذه العقوباتِ العَظِيمَةَ؛ لِنَأْخُذَ حذرَنا منها.
قوله: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} : {وَيْلٌ} تأتي بمعنى الدُّعاء؛ أَيْ: وَيْلًا له؛ هو شَرٌّ يصيب في الدُّنيا والآخرة.
وتأتي بمعنى الخبر؛ فأخبر بمصيرهم في الآخرة بأنَّ لهم فيها خِزْيًا، وعذابًا، وَهَلَكَةً في نار جهنَّم.
وقد جاءت {وَيْلٌ} في عدَّة مواضع من كتاب الله؛ فقد بدأت هذه السُّورةُ بهذه البداية الَّتي تخلع القلوب، وكذلك في سورة المطفِّفين؛ فَـ {وَيْلٌ لكلِّ همزةٍ لمزة} لِمَنْ يَتَعَرَّضُ لأعراض النَّاس، والأخرى لمن يتعرَّض لأموالهم.
وهناك آَيَاتٌ عِدَّةٌ فيها تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ؛ كَـ {وَيْلٌ لِلْمُصَلِّين} ، {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ} ، و {وَيْلٌ لِكُلِّأَفَّاكٍأَثِيمٍ} ، و {وَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} و {وَيْلٌ لَلْمُشْرِكِين} .
قوله: {هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} :الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ هو الطَّعَّانُ العَيَّابُ، وهما صفتان متلازمتان.
وليست صِفَةً عارضةً؛ فهناك أُنَاسٌأَصْبَحَتْ هذه الأخلاقُ السَّيِّئَةُ طَبِيعَةً ثابتةً فيهم.
فَمِنْ أعظم البلاء أَنْ يُبْتَلَى الإنسانُ بِنَفْسٍ ناقدةٍ، وساخرةٍ، ومستخفَّةٍ بالنَّاس.
أمَّا الهُمَزَةُ فهو من ينال من النَّاس بطريقةٍ خَفِيَّةٍ؛ فَيَهْمِزَ النَّاس بفعله.
واللُّمَزَةُ: يلمز النَّاسَ بِقَوْلِهِ وَلِسَانِهِ.
وما أكثر الهَمَّازِينَ واللَّمَّازِينَ بالقول، والفعل، والإشارة، والعبارة!
عليك نَفْسَكَ، فاشتغل بعيوبها، ودع عيوبَ النَّاس للنَّاس، ومن تكلَّم في عرض مُسْلِمٍ فَلْيُوقِنْ بالقصاص.
هناك من يجتهد في الطَّاعات، ويغفل عن حقوق العباد، وسمَّاه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مُفْلِسًا.
وما أَكْثَرَ الَّذين يَظْلِمُونَ النَّاسَ اليَوْمَ! وفي الحديث: «أَتَدْرُونَ مَنِ المُفْلِسُ؟» رواه مسلمٌ و غيره.
عامَّةُ عذاب القبر من اللِّسان، وأكثر ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ اللِّسَانُ.
والبعضُ لا يحفظ لسانَه مِنْ لحظةشروقها إلى غروبها.
و في الحديث «أَفَلا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟» . قالوا: بَلَى. قال: «المَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، المُفْسِدُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ البُرَأَئَ العَنَتَ» . أَخْرَجَهُ البخاريُّ في «الأدب المفرد» .
الغِيبَةُ: هِيَ ذِكْرُكَأَخَاكَ بما يَكْرَهُ؛ فإن كان فيه فَقَدِ اغتبتَه، وَإِنْ لم يكن فيه فقد بَهَتَّهُ.
و الكلامُ في النَّاس له حالاتٌ:
1 -كلامٌ مباحٌ، أو لحاجةٍ .. أمَّا قَطْعُ الطَّريق بالقيل والقال، أو إِشْغَالُ المجلس بذكر النَّاس فلا.
2 -كلامٌ مَكْرُوهٌ، أَصْلُهُ صَحِيحٌ، لكنَّه اسْتُطْرِدَ فيه، وَزِيدَ ودَاخَلَ حَظَّ نَفْسٍ.
3 -أن يكون الكلام محرَّمًا .. كأن يذكره بسوءٍ وغيبةٍ.
4 -ويكون الكلام كفرًا؛ كَسَبِّ دينهم، وتعييرهم، والاستهزاء بهم.
ثمَّ ذَكَرَ اللهُ له وصفًا آَخَر، َ وَعَيْبًا آَخَرَ، بعد ذكر صفة الطَّعن والعيب.
قوله: {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ} :صفتان متلازمتان، وهما الجَمُوعُ المَنُوعُ.
فلاهَمَّ له سِوَى جمع المال، وتعديده، والانشغال بتنميته.
قوله: {الَّذِي جَمَعَ مَالًا} إِشَارَةٌ إلى جمع المال من كلِّ وَجْهٍ، المُهِمُّ جَمْعُ المال.
و {وَعَدَّدَهُ} لها مَعَانٍ، منها كَثْرَةُ العَدِّ، وهو دليلٌ على شدَّة الحرص، يعدِّده كلَّ وَقْتٍ؛ حبًّا له.