فَاذْكُرْ رَبَّكَ في كلِّ الأَحَايِينِ وَكُلِّ الأَوْقَاتِ، وَدَاوِمْ على ذِكْرِهِ باللَّيْلِ والنَّهَارِ.
والمعنى: لا تَغْفُلْ في النَّهَارِ عن الذِّكْرِ والعبادة؛ فكلاهما وَقْتٌ للأَعْمَالِ والتَّعَبُّدِ.
قوله: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} :أَيِ انْقَطِعْ إليه بِذِكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَكُنْ مع الله، وَعَلِّقْ قَلْبَكَ به؛ فلا تَشْتَغِلْ بالنَّاسِ وبالقِيلِ والقال، فَبَتِّلْ نَفْسَكَإلى الله تَبْتِيلًا، وتبتَّل إليه.
وفيها سِرٌّ لَطِيفٌ؛ تَنْبِيهٌ للتَّدَرُّجِ في العبادةوالتَّكَثُّرِ والتَّعَمُّلِ.
قوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : الكَوْنُ كُلُّهُ بِيَدِ الله؛ فلا يستحقُّ العبادةَ إلاَّ هو.
فمعنى {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} الكَوْنُ كلُّه له، ومعنى {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أَيْ: لا يستحقُّ العِبَادَةَ إلاَّ هو.
فلا يُوصَفُ العَبْدُ بِأنَّهُ عَابِدٌ لله وَمُسْتَقِيمٌ على عبادته إلاَّإذا انْقَطَعَإليه بِكُلِّيَّتِهِ، وَتَبَتَّلَإِلَيْهِ تَبْتِيلًا، ولم يَلْتَفِتْإلى غَيْرِهِ، ولم يُشْرِكْ بِهِأَحَدًا في عبادته.
فَإِنْأَشْرَكَ وَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَيْسَ عابدًا لله، ولا عبدًا له.
{فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} فَحَيَاتُكَ بِيَدِ الله، ورزقُك بيد الله، وصحَّتُك بيد الله، وكلُّ خيرٍ تَطْمَعُ فيه بيد الله، وكلُّ شرٍّ تخاف منه بيد الله.
فَكُنْ مع الله، وتوكَّل على الله، وكفى بالله وكيلًا.
لا تطلب إلاَّ من الله، ولا تَرْفَعْ يَدَيْكَ إلاَّ إلى الله؛ فاللهُ وَحْدَهُ بِيَدِهِ الأَمْرُ كلُّه.
وهو من يَسْتَحِقُّ العبادةَ، وكلُّ المخلوقات مربوبةٌ لله؛ الله خَالِقُهَا، وَرَازِقُهَا، وَمُحْيِيهَا، وَمُمِيتُهَا، وَمَرْجِعُهَا إليه، يحاسبها، ويجازيها على أعمالها.
فلا يوجد إِلَهٌ مع الله، وجهَّالنا عبدوا الأولياء والقبور، وحلفوا بهم، وذبحوا لهم، ونذروا لهم.
وهكذا صرفوا العبادة لغير الله، وسبب ذلك: الجهلُ، وما زال الجهلُ في المسلمين إلى اليوم.
وقد خفَّ بعضَ الشَّيء بهذه الوسائط العجيبة كالإذاعة والصُّحف والمدارس.
-مَلْحَظٌ مهمٌّ:
وجاء القَسَمُ بربِّ المشارق والمغارب بالجمع تارةً، وبالتَّثنية تارةًأُخْرَى، وجاء أيضًا مفردًا، فجاء في كلِّ موضعٍ بما يناسبه.
فجاء في سورة الرَّحمن بالتّثنية؛ لأنَّ السُّورَةَ ذُكِرَتْ فيها المزدوجاتُ؛ فَذُكِرَ فيها الخَلْقُ والتَّعليمُ، والشَّمسُ والقمرُ، والنُّجومُ والشَّجر، والسَّماءُ والأرضُ، والحَبُّ والثَّمْرُ، والجِنُّ والإنسُ، ومادَّةُ الجنِّ والإنس، والبحرين، والجنَّة والنَّار.
وَذَكَرَ - تعالى - جنَّتين عاليتين وجنَّتين دونهما، ثمَّأقسم- سبحانه - في سورة المعارجبالجمع على عموم قدرته، وكمالها، فهو يأتي بالشَّمس كلَّ يومٍ من مطلعٍ، وَتَغْرُبُ في مَطْلَعٍ.
وأقسم في سورة المزَّمِّل بلفظ المفردربِّ المشرق والمغرب؛ لأنَّ المقصودَذِكْرُ ربوبيَّتِهِ ووحدانيَّتِهِ، فكما تَفَرَّدَ بربوبيَّة المشرق والمغرب وَحْدَهُ، فكذلك يجب أن يتفرَّد بالرُّبوبيَّةِ والتَّوكُّلِ عليه.
فليس للمشرق والمغرب رَبٌّ سِوَاهُ، وفيها تَنْبِيهٌ الى ربوبيَّةِ السَّمَاواتِ وَمَا حَوَتْ مِنْ كَوَاكِبَ، وهو رَبُّ اللَّيْلِ والنَّهَارِ وما تضمَّنَتْهُ، وربُّ الأرض وما حَوَتْهُ من فِجَاجٍ وبحارٍ وفِقَارٍ.
قوله: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} :أَمَرَ اللهُ نبيَّه بالصَّبر على أذى المشركين، وألاَّ يَلْتَفِتَ فيما يقولُه الكفَّارُ، وَيَصْبِرَ على أذيَّتِهِمْ؛ لأنَّ الَّذي ليس عنده صَبْرٌ لا يستمرُّ.
الكثيرُ يضايقونك، ويذمُّونك، ويعادونك، ويتكلَّمون فيك، فاصبر؛ ما دُمْتَ على الحقِّ فلا تُبَالِ.
قوله: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} : أي هَجْرًا لا أذيَّةً معه، والصَّبرُ الجميلُ لا شِكَايَةَ معه لِلخَلْقِ، وصفحٌ جميلٌ لا عتابَ مَعَهُ، وكلُّ هذا قَبْلَ فَرْضِ الجهاد.
قوله: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ} :بيَّن لهم ما ينتظرهم؛ أَيِ اللهُ يتولَّى جزاءهم؛ فقد هَلَكَ أَكْثَرُهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَبْلَهُ.