فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 581

قال عمر: «فواللهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لم يَكُونُوا يعلمون أنَّهاآَيَةٌ اللهُ - عزَّ وجلَّ - أَنْزَلَهَا حتَّى تلاها أبو بكرٍ، فتلقَّاها منه النَّاسُ، فما تسمع بشرًا إلاَّ يتلوها» .

وَمِنْ رَحْمَةِ الله بنبيِّه وأمَّته لم يُنْزِلْ عليهم القرآنَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَيَثْقُلَ عليهم، وَيَصْعُبَ العَمَلُ به، وبعد نزول القرآن من الله على رسوله أَمَرَهُ بِخَمْسٍ.

قوله: {فَاصْبِرْلِحُكْمِرَبِّكَ} :أوَّلًاأرشده الله إلى الصَّبر لحكم ربِّه؛ لِيُوَاجِهَ بها أَذَى الكفَّار.

فاللهُ قَدْ يُمْهِلُ الكفَّارَ استدراجًا لهم، وقد يؤخِّر النَّصْرَ لِحِكْمَةٍ اللهُ يَعْلَمُهَا، والحُكْمُإمَّا قَدَرِيٌّ أَوْ شَرْعِيٌّ؛ فَإِنْ كان قدرًا فَلْيَرْضَ بالقدر، وَإِنْ كَانَ حُكْمًا شرعيًّا، فَلْيَعْمَلْ بالحكم الشَّرعيِّ.

والصَّبْرُ عِدَّةُ المتَّقين، والصَّبْرُ هو حَبْسُ النَّفْسِ على الطَّاعة، وهو من الدِّينبمنزلة الرَّأْسِ من الجسد؛ فَمَنْ لا رَأْسَ له لا حَيَاةَ فيه، وَمَنْ لا صَبْرَ له فليس له دِينٌ.

والصَّبْرُ ثَلاثَةٌ: على الطَّاعة أو عن المعصية أو الأَقْدَارِ المُؤْلِمَةِ.

ثانيًا: {وَلَاتُطِعْمِنْهُمْآَثِمًاأَوْكَفُورًا} : سَوْفَ تَلْقَى من الكفَّار وَأَهْلِ النِّفاق من يريد صَرْفَكَ عن القرآن أَوْ بَعْضِهِ، ولا يَجُوزُ التَّنَازُلُ عَنِ الدِّينِ، أَوْ بَعْضِهِ مِنْ أَجْلِإِرْضَاءِ الكفَّار والمنافقين.

قوله: {وَلَاتُطِعْمِنْهُمْآَثِمًا} أَيْ: آثمًا بِفِعْلِهِ. {أَوْكَفُورًا} بِقَلْبِهِ. لا تُطِعْهُمْ؛ لأنَّهم يُحَاوِلُونَ مَعَكَأَنْ تَتَنَازَلَ عن دِينِكَ أَوْ بَعْضِهِ، وَهَذِهِ مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ.

ولا يجوز التَّنَازُلُ عن الدِّين، أو بعضه، تَحْتَ أيِّ مُبَرِّرٍ؛ من أَجْلِإرضاء الكفَّار والمنافقين، لَكِنْ يَجُوزُ مُدَارَاةُ الكفَّار بشيءٍ من الدُّنيا؛ كفًّا لشرِّهم، أو دفعًا لهم.

دائمًا يُحَاوِلُونَ الطَّعْنَ في دِينِنَا؛ لأنَّه ثَقِيلٌ عَلَيْهِمْ، وَيُبَيِّنُ بَاطِلَهُمْ، وَيَفْضَحُهُمْ.

-ثالثًا: {وَاذْكُرِاسْمَرَبِّكَبُكْرَةًوَأَصِيلًا} :أي: وَدَاوِمْ على ذِكْرِ اسْمِ رَبِّكَ وَدُعَائِهِ في أوَّلِ النَّهَارِ وَآَخِرِهِ.

والذِّكْرُ يُحْيي القَلْبَ، وَيُنَشِّطُ البَدَنَ، ويعينك على طاعة الله، وَمَنْ لَزِمَأَذْكَارَ الصَّباح والمساء حَفِظَهُ اللهُ من كلِّ مكروهٍ.

الذِّكْرُ شأنُه عَظِيمٌ؛ فَمَنْ ذَكَرَ اللهَ، ذَكَرَهُ بالتَّوفيق، والتَّسديد، والحفظ، والعناية.

وفيه أيضًا سِرٌّ عَجِيبٌ في صلاح الإنسان وثباته وتقواه.

وإذا خرج الذِّكْرُ من القلب بدون تعظيمٍ، لم ينفع.

لقد رأى النَّاسُ ناطحات السَّحاب والطَّائرات والسَّيَّارات، فصاحوا وتكلَّموا، ولكن لم يروا شيئًا من عظمة الله؛ لأنَّ قلوبَهم غافلةٌ.

و إذا كان الذِّكْرُ لله تتسابق عليه الملائكةُ، وتتنافس في كتابةِ قول القائل «حَمْدًا كَثِيرًا طيِّبًا مباركًا» أَكْثَرَ من ثلاثين مَلَكًا، كلُّ حرفٍ بِمَلَكٍ، فلماذا لانَذْكُرُ اللهَ؟

-فائدة: نشكو إلى الله تقصيرَنا في ذِكْرِهِ، وفي شُكْرِهِ، وفي حسن عبادته، ونعترف يا ربُّأنَّنا ما عظَّمناك حقَّ تعظيمك، ولم نَقْدُرْكَ حقَّ قَدْرِكَ، وليس ذلك استهانةً بحقِّك، ولا استهانةً بعظمتك، ولكن غَلَبَتْ علينا أهواؤنا وَأَشْقَتْنَا، لا نشكو حالنا إلاَّإليك.

اللَّهمَّإنَّا نسألك أن تَغْفِرَ لنا ما كنَّا فيه مِنَ الغَفْلَةِ عن ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.

-رابعًا: {وَمِنَاللَّيْلِفَاسْجُدْلَهُ} :قيامُ اللَّيل له تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في حياة المسلم، وَلَوْ كان القيامُ قليلًا؛ فيعينك اللهُ على أمور دينك، ودنياك، وآخرتك.

قيامُ اللَّيل يُعِينُكَ على تحمُّل المسئوليَّةِ؛ فيوفِّقَك اللهُ، وَيُعِينُكَ، ويبارك لك في وقتك، وجهدك، وقولك، وعملك.

-خامسًا: {وَسَبِّحْهُلَيْلًاطَوِيلًا} :التَّسْبِيحُ هنا قد يُرَادُبه صلاةُ اللَّيل، وَقَدْ يُراد به الذِّكرُ.

التَّسْبِيحُ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ؛ سَبَّحَ اللهُ نَفْسَهُ، وسبَّحته سماواتُه، وأرضُه، والطَّيْرُ، وملائكتُه، وعبادُه المؤمنون.

والتَّسْبِيحُ صَلاةُ كلِّ شَيْءٍ، وبها يُرْزَقُ كلُّ شَيْءٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت