فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 581

والحَرِيرُ حِلَّ لإناث الأمَّةِ في الدُّنيا، وَمُحَرَّمٌ على ذكورها، لهم نَوْعَيِ الزِّينَةِ الظَّاهرةوالباطنة؛ اللِّبَاسَ والحُلِيَّ، وَجَمَّلَ بَاطِنَهُمْ بالشَّراب.

وَهَذَا يَدُلُّنَا على ارتباط الظَّاهر بالباطنقَدَرًا وَشَرْعًا، و قد وَصَفَتْامْرَأَةُ العزيز يُوسُفَ بالجمال في ظاهره، والعِفَّةِ في باطنه.

قوله: {وَحُلُّواأَسَاوِرَمِنْفِضَّةٍ} :الأَسَاوِرُ مَا يُلْبَسُ في أيديهم على الأَذْرُعِ.

قال ابنُ المسيَّب: «فِي يَدِهِ ثَلاثَةُ أَسْوِرَةٍ؛ وَاحِدَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَأُخْرَى مِنْ ذَهَبٍ، وَأُخْرَى مِنْ لُؤْلُؤٍ.

جَمَعَ اللهُ لأَهْلِ الجنَّة الجَمَالَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ جَمَالَ الملابس، وَجَمَالَ الحُلِيِّ، وَجَمَالَ الصُّوَرِ، مَعَ لَذَّةِ المطاعم والمشارب، وَلَذَّةٍ وَبَهْجَةٍ في المناظر.

قوله: {وَسَقَاهُمْرَبُّهُمْشَرَابًاطَهُورًا} : أي: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ هذا تشريفًا وتكريمًا فَوْقَ هذا النَّعيم كلِّه.

سقاهم شرابًا طهورًاللأَبْدَانِ، والبُطُونِ والقُلُوب.

الطَّهورُ فِيهِ قولان: القول الأول: قَالَ مُقَاتِلٌ: «هو عَيْنُ مَاءٍ على باب الجنَّة تَنْبُعُ مِنْ سَاقِ شجرةٍ، مَنْ شَرِبَ منها نَزَعَ اللهُ ما كان في قَلْبِهِ مِنْ غِلٍّ وَغِشٍّ وَحَسَدٍ، وما كان في جَوْفِهِ مِنْ قَذَرٍ وَأَذًى» .

وفي الأَثَرِ: «عِنْدَ بَابِ الجنَّة شَجَرَةٌ يَنْبُعُ مِنْأَصْلِهَا عَيْنَانِ يَغْتَسِلُونَ مِنْإحداهما، جَرَتْ في وجوههم نُضْرَةُ النَّعيم، وإذا شربوا من الأُخْرَى، نَزَعَ اللهُ ما في قلوبهم من غِلٍّ وَحَسَدٍ»

القول الثاني: قال أبو قلابة: يُؤْتَوْنَ الطَّعامَ والشَّراب، فإذا كان في آَخِرِ ذلك أُتُوا بالشَّراب الطَّهور؛ فيشربون، فَتَطْهُرَ بذلك بُطُونُهُمْ، وَيَفِيضُ عَرَقٌ مِنْ جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ المِسْكِ، فَطَهُرَ ظَاهِرُهُمْ.

والجُمْلَةُ: لِتَطْهِيرِ بَاطِنِهِمْ؛ لِيَجْمَعُوا بَيْنَ جَمَالِ الظَّاهِرِ والباطن، وهذا من أَعْظَمِ ما يُحَلَّى به أَهْلُ الجنَّة.

قوله: {إِنَّهَذَاكَانَلَكُمْجَزَاءً} :هذا الجزاءُ كان ثوابًا مقابلَ أعمالكم المرضيَّة في الدُّنيا، والجَنَّةُ لا تُدْرَكُ بالثَّمَنِ، لكن تُنَالُ بالدُّعاء والعمل الصَّالح؛ فهما سَبَبَانِ يُؤَهِّلانِ العَبْدَ لِنَيْلِ رَحْمَةِ الله، وسببان لدخول الجنَّة.

وفيها أن لا يَحْكُمَ الإنسانُ لِنَفْسِهِ بالجنَّة مثل اليهود والنَّصارى، أو مثل صاحب الجنَّة في سورة الكهف، وفيها لا يَجْزِمُ الإنسانُ لنفسه بالجنَّة مهما عَمِلَ، لَكِنْ يرجو؛ لأنَّ العَمَلَ لَيْسَ ثَمَنًا للجنَّةِ.

سِلْعَةُ الله غالية؛ لأنَّها بَاقِيَةٌ وَدَائِمَةٌ، ومهما عَمِلَ الإنسانُ لَوْ حَاسَبَهُ اللهُ على نِعْمَةٍ، لم تَبْقَ لَهُ حَسَنَةٌ.

قوله: {وَكَانَسَعْيُكُمْمَشْكُورًا} :اللهُ غَفُورٌ شَكُورٌ؛ جَمَعَ لهم بَيْنَ الأَمْرَيْنِ؛ شُكْرِ سَعْيِهِمْ، وَإِثَابَتِهِمْ عليه.

فَيشكرُ عَبْدهإذا أَحْسَنَ طَاعَتَهُ، ويغفر له إذا تَابَ؛ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ؛ «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَى» قالوا: يا رسولَ الله، ومَنْ يَأْبَى؟ قال: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» . البخاريُّ. فطاعة الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - سَبَبُ دُخُولِ الجنَّة.

قوله: {إِنَّانَحْنُنَزَّلْنَاعَلَيْكَالْقُرْآَنَتَنْزِيلًا} :امْتَنَّ اللهُ على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنزول القرآن مفرَّقًا؛ ليسهل العملُ به، وهذه النِّعْمَةُ تستحقُّ مِنَّا شُكْرَهَا، والقرآنُ كلامُ الله مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.

وفيه أنَّ القرآنَ نَزَلَ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَلَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، بَلْ نَزَلَ مُنَجَّمًا وَمُفَرَّقًا حَسَبَ الحوادث، لمدَّة ثلاثٍ وعشرين سَنَةً.

والحِكْمَةُ مِنْ ذَلِكَ تَثْبِيتُ فُؤَادِهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وَمَعْنَى تَثْبِيتِ فؤادِه أنَّهُ كلَّمَا حَصَلَتْ حَادِثَةٌنَزَلَتْ آَيَاتٌ تُعَالِجُ المَوْقِفَ مَعَ الحَدَثِ، فَتَكُونَ أَشَدَّ وَقْعًا؛ لِيَسْهُلَ العَمَلُ بِهِ، والرِّفْقُ بالعباد، والتَّدرُّجُ بهم شيئًا فشيئًا.

وَمِنْ ذَلِكَ أنَّه لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - واضْطَرَبَ النَّاسُ، قَالَ عُمَرُ يَتَهَدَّدُ كلَّ مَنْ يَزْعُمُأَنَّ رَسُولَ الله مَاتَ، فَجَاءَأَبُوبَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال: طِبْتَ حَيًّا وميِّتًا يا رسولَ الله، والموتةُ الَّتي كَتَبَهَا اللهُ عَلَيْكَ فَقَدْ ذُقْتَهَا، ثمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ فقال: «مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فإنَّ اللهَ حَيٌّ لا يموت، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا، فإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ» ثمَّ تلا: {وَمَامُحَمَّدٌإِلَّارَسُولٌقَدْخَلَتْمِنقَبْلِهِالرُّسُلُ} .

الشَّاهِدُأَنَّ الآَيَاتِ تَأْتِي في الأَحْدَاثِ لها وَقْعٌ وكأنَّها أَوَّلُ مَرَّةٍ نَزَلَتْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت