فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 581

ثمَّ بعد بَيَانِ الأدلَّة والتَّوضيح، استمرُّوا على تكذيبهم بيوم القيامة؛ استكبارًا وعنادًا، فَنَقَلَهُمْ إلى أرض المحشر، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا يكون لهمفيه قَبْلَأَنْيكون.

فَذَكَرَ سُوءَ عَاقِبَةِ المجرمين، ثمَّ ذَكَرَ اللهُ جَزَاآلمؤمنين المتَّقين، وَذَكَرَ مَا أَعَدَّهُ الله- تعالى - لهم من أنواع النَّعيم.

ثمَّ خُتِمَتِ السُّورَةُ الكريمةُ بِبَيَانِ سَبَبِ امتناع الكفَّار عن عبادة الله الواحد القهَّار، وهو الطُّغْيَانُ والإجرامُ.

بِدَايَةً اللهُ يُرْسِلُ الملائكةَ، وَيُرْسِلُ الأنبياءَ، وَيُرْسِلُ السَّحَابَ، وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ، وَيُرْسِلُ الرِّيَاحَ.

وإذا تبيَّن هذا كلُّهفاللهُأَقْسَمَ - سبحانه - بخمسة أُمُورٍ؛ ثَلاثَةٌ منها يَخُصُّ الرِّيَاحَ، وَاثْنَينِ يَخُصُّان الملائكةَ، فَجَاءَ القَسَمُ على نَوْعَيِالحياة المشاهَدة، وهي الرِّياحُ والملائكةُ.

قوله: {وَالْمُرْسَلَاتِعُرْفًا} : أَيِ الرِّيحَ المتتابعةَ؛ لأنَّ {عُرْفًا} المُتَتَابِعُ؛ مِثْلَ عرف الفَرَسِ.

وإذا فُسِّرَتْ بالملائكة، فالعرفُ أي المعروفَ بالحقِّ.

قوله: {فَالْعَاصِفَاتِعَصْفًا} : هي الرِّيَاحُ في شدَّة هبوبها وبرودتها.

قوله: {وَالنَّاشِرَاتِنَشْرًا} : هي الرِّياحُ تَنْشُرُ السَّحَابَ، أَوْ تَأْتِي بالمَطَرِ.

والنَّشْرُ هو الحَشْرُ. والمرادُ الرِّيَاحُ تَنْشُرُ السَّحَابَ الَّذي يُحْيي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.

قوله: {فَالْفَارِقَاتِفَرْقًا} : هي الملائكةُ تَفْرِقُ بين الحقِّ والباطل، تَنْشُرُأجنحتَها عند النُّزول.

قوله: {فَالْمُلْقِيَاتِذِكْرًا} : هي الملائكةُأَلْقَتِ الذِّكْرَ على الرُّسُلِ، وَنَزَلَتْبالوَحْيِ.

قوله: {عُذْرًاأَوْنُذْرًا} : أَيْأَلْقَتِ الذِّكْرَ على الرُّسُلِإعذارًا أَوْإِنْذَارًا.

والسُّؤالُ: على أَيِّ شَيْءٍ يُقْسِمُ اللهُ؟ أَيْنَ جَوَابُ القَسَمِ؟

أَقْسَمَ اللهُ - سبحانه وتعالى - للكفَّار المكذِّبين بالبعث، فَأَقْسَمَ لهم على مَجِيءِ يوم القيامة، وأنَّه وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ، ولا يمكن أن يتأخَّر.

متى يكون ما فيه من الوَعْدِ والوعيد؟ ذلك يَوْمَ القيامة عند الحوادث العظيمة.

وذكر أربعةً تغيرات كونية.

قوله: {فَإِذَاالنُّجُومُطُمِسَتْ} :النُّجُومُ جَعَلَهَا اللهُ مُضِيئَةً، وَزِينَةً، وعلاماتٍ، وَرُجُومًا للشَّياطين، لكن إذا انْتَهَى أَجَلُهَا، طُمِسَتْإ، أي ذَهَبَتْ، وَمُحِيَتْ، وَتَسَاقَطَتْ، وَتَنَاثَرَتْ.

قوله: {وَإِذَاالسَّمَاءُفُرِجَتْ} : هذه السَّمَاءُ المَبْنِيَّةُ المُحْكَمَةُ تَنْفَرِجُ، وتتشقَّق، وتصبح أَبْوَابًا؛ لأنَّه قَدِ انْتَهَى أَجَلُهَاومهمَّتُها. يقول الله: {وَالسَّمَاوَاتُمَطْوِيَّاتٌبِيَمِينِهِ} .

قوله: {وَإِذَاالْجِبَالُنُسِفَتْ} :تُنْسَفُ الجِبَالُ؛ أَيْ: ذَهَبَتْ، وَأَصْبَحَتْ دُخَانًا، و سَرَابًا، حتَّى تُصْبِحَ الأَرْضُ صعيدًا وَاحِدًا؛ فَلا تَرَى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا؛ لا ارتفاعًا ولا انخفاضًا، أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ هي السَّاهرة.

قوله: {وَإِذَاالرُّسُلُأُقِّتَتْ} أَيْ جَعَلَ لَهَا مِيقَاتًا وَوَقْتًا تُجْمَعُ فيه، يَحْضِرُونَ للشَّهَادَةِ على أُمَمِهِمْ.

قوله: {لِيَوْمِالْفَصْلِ} :سُمِّيَ يَوْمُ القيامة بيوم الفَصْلِ؛ لأنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَ الخَلائِقِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَ السُّعَدَاءِ والأشقياء؛ {وَامْتَازُواالْيَوْمَأَيُّهَاالْمُجْرِمُونَ} ؛ لأنَّهم كانوا في الدُّنيا مُخْتَلِطِينَ؛ الكفَّارُ مع المؤمنين مع المنافقين.

والأَمْرُ الثَّانِي: أنَّه - تعالى - يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ فِيمَا كَانُوا فيه يَخْتَلِفُونَ.

قوله: {وَيْلٌيَوْمَئِذٍلِلْمُكَذِّبِينَ} : هؤلاء الكفَّارُ الَّذِينَ أَرْسَلَ اللهُ لَهُمُ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ، وَبَيَّنَ لَهُمُ البَعْثَ وَمَجِيءَ يَوْمِ القيامة؛ لِيَجْزِيَ الَّذين أَسَاءُوا بما عملوا، وَيَجْزِيَ الَّذين أَحْسَنُوا بالحُسْنَى.

ولكنَّهم كذَّبوا بكلِّ وَعْدٍ وَوَعِيدٍ، فَأَقْسَمَ اللهُ لَهُمْأنَّه وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ، ومع ذلك لم يُصَدِّقُوا.

وَذَكَرَ لَهُمْ عِدَّةَأدلَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ، منها الأممُ السَّابقةُ ممَّن كَذَّبَ بالبَعْثِ، وَمَا وَقَعَ بِهِمْ.

قوله: {أَلَمْنُهْلِكِالْأَوَّلِينَ} : هذا سُؤَالُ تَقْرِيرٍ، وَلَيْسَ اسْتِفْهَامًا؛ كَيْفَأنَّهم كذَّبوا بالبَعْثِ واسْتَكْبَرُوا، وعذَّبهم اللهُ وَأَهْلَكَهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت