فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 581

قوله: {ثُمَّنُتْبِعُهُمُالْآَخِرِينَ} : أَيِ الَّذينَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ سَارُوا على مَنْهَجِهِمْ في الاستكبار والتَّكذيب.

قوله: {كَذَلِكَنَفْعَلُبِالْمُجْرِمِينَ} :أي سُنَّةُ الله فيمن كذَّب واستكبر، يناله الهلاكُ والعذابُ.

ثمَّ ذَكَرَ لهم دليلًا آَخَرَ على البعث، فاستدلَّ اللهُ بِالبَدَاءَةِ على الإعادة.

قوله: {أَلَمْنَخْلُقْكُمْمِنْمَاءٍمَهِينٍ} : سؤالُ تَقْرِيرٍ، وليس استفهامًا.

ويؤيِّدُ هذا ما وَرَدَ في الحديث: عَنْ بُسْرِ بْنِ جحاشٍ - رضي الله تعالى عنه - أنَّ رَسُولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بَصَقَ في كفِّهِ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا أُصْبَعَهُ ثمَّ قال: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَنِي آَدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ، مَشِيتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِوَلِلأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، حَتَّى إِذَا بَلَغْتَ التَّرَاقِيَ قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.

قوله: {فَقَدَرْنَافَنِعْمَالْقَادِرُونَ} :اختلف القُرَّاءُ في القراءة؛ فَعَامَّةُ قُرَّاءِ المدينة {فَقَدَّرْنا} بالتَّشديد.

وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الكوفة والبصرة بالتَّخْفِيفِ؛ {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} .

فعلى قراءة التَّشديدبمعنى التَّقدير للشَّيءِ، كما في قوله: {خَلَقَهُ فَقَدَّرَه} .

وعلى قراءة التَّخْفِيفِ مِنَ القُدْرَةِ؛ أَيْ: قَادِرٌ على الخَلْقِ.

ثمَّ ذَكَرَ دَليلًا ثالثًا: {أَلَمْنَجْعَلِالْأَرْضَكِفَاتًا} : هَذَا سُؤَالُ تَقْرِيرٍأيضًا؛ أَيْ: جَعَلَ اللهُ الأَرْضَ نَعِيشُ فَوْقَهَا ونحن أحياءٌ، وَنُدْفَنُ في بَطْنِهَا بَعْدَ الوفاةِ.

وَخَصَّ الإنسانَ بالدَّفْنِ والقبر، وهذا تَكْرِيمٌ من الله للإنسانِ؛ فَقَدِ اعْتَنَى اللهُ به؛ لأنَّ دَفْنَ المَيِّتِإِكْرَامٌ لَهُ، وَحَتَّى لا يُنْكَرَأيضًا عذابُ القبر.

قوله: {وَجَعَلْنَافِيهَارَوَاسِيَشَامِخَاتٍ} :هَذَا ممَّا امْتَنَّ اللهُ به على الإنسان، فَجَعَلَ الأَرْضَ له فراشًا يعيش فَوْقَهَا، ويسكن، ويأكل، ويشرب، وَجَعَلَ الجبالَ فيها رواسيَ تَسْتَقِرُّ بها الأَرْضُ، وَجَعَلَهَا شامخاتٍ؛ أَيْ: مُرْتَفِعَاتٍ.

قوله: {وَأَسْقَيْنَاكُمْمَاءًفُرَاتًا} : أَيْ عَذْبًا.

وملخَّصُ ما سبق أنَّ اللهَ جَعَلَ الأَرْضَ يَعِيشُ فَوْقَهَا الإنسانُ، وَيُدْفَنُ فيها، ثمَّ يُبْعَثُ بَعْدَهَا حَيًّا؛ ليحاسبَه اللهُ.

ثمَّ بَعْدَ بيانِ الأَدِلَّةِ والتَّوضيح، أَقْسَمَ له بِمَجِيءِ يَوْمِ القيامة، وأنَّهُ وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ.

لكنَّهم استمرُّوا على تكذيبهم بيوم القيامة، استكبارًا وعنادًا، فَنَقَلَهُمْ إلى أَرْضِ المَحْشَرِ، وَأَخْبَرَهُمْ بما يكون لهم قَبْلَأَنْيَكُونَ؛ لِتَأْكِيدِ عِلْمِهِ السَّابق؛ لتتبيَّن لهم حَقِيقَةُ ما أَنْكَرُوا، وَلَكِنْأَنَّى لهم الذِّكْرَى بعد فوات الأَوَانِ؟

قوله: {انْطَلِقُواإِلَامَاكُنْتُمْبِهِتُكَذِّبُونَ} : هنا اللهُ - تعالى - يَقُولُ لهم وهم لا زَالُوا في الدُّنيا أَنْينْطَلِقُوا، يخاطبُهم كأنَّ الأَمْرَ قَدْ وَقَعَ؛ لأنَّه يُخْبِرُ بما يكون قبل أن يكون؛ لأنَّ عِلْمَهُ سَابِقٌ.

{انْطَلِقُواإِلَامَاكُنْتُمْبِهِتُكَذِّبُونَ} سَوْفَ يَنْطَلِقُونَ إلى عذاب الله مُسْرِعِينَ لا يتخلَّف أَحَدٌ، ولا يَخْتَفِي، ولا يَهْرُبُ، ولا يأتي متباطئًا، بل يأتون إليها مسرعين؛ لأنَّهم لا يَمْلِكُونَأَعْضَاءَهُمْ.

نَعَمْ كَانُوا في الدُّنيا يملكون أعضاءَهم وَجَوَارِحَهُمْ، لكن في الآخرة لا يَمْلِكُ مِنْأَمْرِهِ شَيْئًا؛ لا سَمْعَ وَلا بَصَرَ وَلا جَوَارِحَ.

وهل مُمْكِنٌأَنْ يُسْرِعَ الإنسانُ إلى عذاب الله وَنَارِهِ؟

نَعَمْ. هذا يَوْمَ القيامة؛ يَنْطَلِقُونَ مسرعين لأنَّأَعْضَاءَهُمْ تَتَحَرَّكُ بغير إرادتهم.

نَسْأَلُ اللهَ الفَوْزَ بالجنَّة والنَّجاةَ من النَّارِ، وَأَنْ يُجِيرَنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنيا وعذاب الآخرة.

وَهذا موق حَصَلَ لي مع أَحَدِ الإخوةِ، حينما كُنْتُأَنْقُلُ له هَذِهِ المَشَاهِدَ كان يبكي؛ لأنَّه تصوَّر المشهدَ في ذلك اليوم، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لنفسٍ شيئًا، والأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله.

ما أَحَدٌ يسيطر يوم القيامة علاأَعْضَائه ولا غيرها، والأمرُ يَوْمَئِذٍ لله.

قوله: {انْطَلِقُواإِلَاظِلٍّذِيثَلَاثِشُعَبٍ} : هنا بيَّن الله إلى أيِّ شيءٍ ينطلقون.

قوله: {الظل} هو دُخَانُ جَهَنَّمَ له ثلاثُ شُعَبٍ؛ أَيْأَلْسِنَةً. فهو ظِلٌّ غَيْرُ ظَلِيلٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت