روى مُسْلِمٌ وأبو داودَ والنَّسَائِيُّ عن ابن عبَّاسٍ قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَكْثَرَ ما يصلِّي الرَّكعتين اللَّتين قبل الفجر بـ {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا ... } الآَيَةِ. [البَقَرَة] .
والأُخْرَى بآل عِمْرَانَ؛ {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} .
فأمَّا {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} ففيها تَوْحِيدُ الرُّبوبيَّة، و {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ} فيها توحيدُ العبادة.
وحقيقةُ التَّوحيد تَدُورُ على خَمْسَةِ أُمُورٍ:
-أوَّلًا: معرفةُ الله، وأنَّه لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلاَّ اللهُ، وأنَّه المُسْتَحِقُّ للعبادة.
-ثانيًا: أَنْ يَعْتَقِدَ معناها؛ فقد يَعْلَمُ الشَّيْءَ، ولا يَعْتَقِدُهُ أو يَشُكُّ فيه.
-ثالثًا: الإقرارُ باللِّسان؛ {قُلْآمَنْتُ بالله} . فاعترفوا بالله إلهًا وَرَبًّا.
-رابعًا: العمل بمقتضاها، ثمَّ استقاموا على طاعة الله، والاستقامةُ دَلِيلٌ على صِحَّةِ الإيمَانِ.
فَلَوْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله، أَوِ اسْتَغَاثَ بِغَيْرِ الله، لَمْ يُحَقِّقْهَا.
-خامسًا: البَرَاءَةُ مِنْ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، فلا بُدَّ مِنَ البَرَاءَةِ مِنَ الكفَّار وأعمالهم؛ {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ؛ لأنَّ سُكُوتَهُ على الكُفْرِ دَلِيلٌ على الرِّضا بكفرهم؛ فلا يَتِمَّ التَّوْحِيدُ إِلاَّ بالبراءة من الشِّرك.
قوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} : نِدَاءٌ وإعلانٌ وَتَصْرِيحٌ لكلِّ كَافِرٍ، كَفْرٌ ثابتٌ مستمرٌّ سَبَقَ في علم الله أن يموت على الكفر؛ من المشركين، أو من اليهود، أو من النَّصارى، أو من الشُّيوعيِّين، أو من غيرهم.
فَكُلُّ كَافِرٍ يَجِبُ أن تُنَادِيَهُ بقلبك أو بلسانك إن كان حاضرًا أو غائبًا؛ لتتبرَّأ منه، وَمِنْ عِبَادَتِهِ.
فَالبَرَاءَةُ منهثَابِتَةٌوَمُسْتَمِرَّةٌ، و الخِطَابُ مُوَجَّهٌ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأُمَّتُهُ تَبَعٌ له.
قل يا مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم - لهؤلاء الكفَّار الَّذين يدعونك إلى عبادة الأوثان والأحجار.
فَأَمَرَهُأَنْ يُعْلِنَ لكلِّ كَافِرٍأنَّه لا يَعْبُدُ إلاَّ اللهَ وَحْدَهُ لا شريكَ له، ولا يعبد ما يعبده الكافرون من الأحجار والأشجار، ومن كلِّ ما يُعْبَدُ من دون الله، فالمقصودُ هنا هو المعبودُ، لا العبادةُ.
قوله: {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} : هذه بَرَاءَةٌ مَحْضَةٌ؛ لا أَعْبُدُأَصْنَامَكُمْ، ولا أنتم تعبدون اللهَ؛ لا حاضرًا، ولا مستقبلًا.
فَقَدَّمَ بَرَاءَتَهُ مِنْ مَعْبُودِهِمْ، ثمَّ بَرَاءتَهم من معبوده، فاستوفت الآياتُأَقْسَامَ النَّفْيِ مَاضِيًا، وَحالًا، وَمُسْتَقْبَلًا عن عبادته وعبادتهم.
والمقصودُ الأعظمُ: براءتُه من معبوداتهم بكلِّ وَجْهٍ، وفي كُلِّ وَقْتٍ. أي: تبرَّأ ممَّا كانوا يعبدون من دون الله، ظاهرًا، وباطنًا، وماضيًا، وحالًا، ومستقبلًا.
قال المفسِّرون: «إِنَّ قُرَيْشًا طَلَبَتْ مِنَ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - أن يَعْبُدَ آلهتَهم سَنَةً، ويعبدوا إِلَهَهُ سَنَةً، فقال: «حتَّى يأتيني أَمْرُ رَبِّي» ؛ لأنَّه حَرِيصٌ كلَّ الحِرْصِ على هدايتهم، وكان يترفَّق بهم مع قَسْوَتِهِمْ عليه.
فَأَنْزَلَ اللهُ هذه السُّورَةَ؛ ردًّا على اقتراح الكفَّار السَّخيف في الحال والمستقبل، وقبل سنواتٍ كان هناك دَعْوَةٌ إلى وحدة الأَدْيَانِ، وهي نفسُ اقتراح كفَّار قريشٍ.
الأديانُ السَّمَاوِيَّةُ، والعقائدُ المُنْحَرِفَةُ؛ من الشِّيعة، والصُّوفيَّة، كلُّها عَقَائِدُ فَاسِدَةٌ، لا تجتمع في قلبٍ وَاحِدٍ في آنٍ واحدٍ مع ما جاء به مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - أَحَدُهُمَا يُخْرِجُ الآَخَرَ.
وكيف تكون أَدْيَانًا سماويَّةً والله يقول: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} والنَّصارى يقولون: {الله ثالث ثلاثة} فقالوا: نجتمع على ما اتَّفقنا عليه، ويعذر بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا عليه.
قوله: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} : لمَّا نَفَى في الآية السَّابقة نَفْيَ مَحْضٍوَبَرَاءَةٍ مَحْضَةٍ، هنا أَثْبَتَأَنَّ لَهُ مَعْبُودًا يَعْبُدُهُ وَحْدَهُ، وأنتم بَرِيئُونَ مِنْ عِبَادَتِهِ، فطابقت قولَإبراهيم: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} .
لأنَّكم إذا «قُلْتُمْ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُ» ثمَّ رجعتم إلى آلهتكم ما صارت عبادةً لله؛ لأنَّ الشِّرْكَ إذا خَالَطَ العِبَادَةَ، فَسَدَتْ.