فالمُسْلِمُ إذا أُعْطِيَ شَكَرَ، وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وجدَّد الشُّكْرَ لهذه النِّعمة، فإن كَانَتْ جَاهًا، وَاسَى بها، وإن كَانَتْ صِحَّةً، جَدَّدَ لها عبادةً وَشُكْرًا وإحسانًاللآخرين، وإن كان مَالًا، تَصَدَّقَ وَوَاسَى به.
قال شَيْخُ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: «أَمَرَهُ اللهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هاتين العبادتين العظيمتين، وهما الصَّلاة والنُّسُكُ الدَّالَّتان على القرب، والتَّواضع، والافتقار، وَحُسْنِ الظَّنِّ» .
قوله: {إِنَّ شَانِئَكَ} :أي مُبْغِضَكَ وذامَّك ومنتقصَك. الشَّانِئُ هو المُبْغِضُ.
والشَّنَآَنُ هو البُغْضُ، ولا يجوز الجَوْرُ على من تُبْغِضُهُ، حتَّى ولو كان كافرًا، وإن كُنْتَ تُبْغِضُهُ، فلا تجُرْ عليه؛ {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} .
والمرادُ بها هنا: «إنَّ شانِئَكَ أي مبغضَك يا مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم -» والَّذي يُبْغِضُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كَافِرٌ.
قوله: {هُوَ الْأَبْتَرُ} :أي: المَقْطُوعَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ؛ مَقْطُوعَ العمل، مَقْطُوعَ الذِّكْرِ.
الأَبْتَرُ: هو مَقْطُوعُ الذِّكْرِ الحَسَنِ؛ فلا يُذْكَرُ بِخَيْرٍ، ولا يُثْنَى عَلَيْهِ بِخَيْرٍ حيًّا وميِّتًا.
ومن هُنَا قَالُوا: «لا تُبْغِضِ الصَّالِحِينَ، فَيَقْطَعَ اللهُ عَنْكَ الذِّكْرَ الحَسَنَ، وَيَحْرِمَكَ البَرَكَةَ» .
وَسَبَبُ هَذِهِ الآَيَةِأنَّه لَمَّا مات إِبْرَاهِيمُ ابْنُ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - فقال الكفَّارُ: إنَّه أَبْتَرُ. أي مَقْطُوعَ الذِّكْرِ حَيًّا وميِّتًا، وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَفَعَ اللهُ ذِكْرَهُ حَيًّا وميِّتًا إلى أن تَقُومَ السَّاعة، فلا يُذْكَرُ اللهُإلاَّ وَيُذْكَرُ مَعَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هو الكامل حقًّا، الَّذي له الكمالُ الممكن في حقِّ المخلوق، مِنْ رَفْعِ الذِّكْرِ، وَكَثْرَةِ الأنصار، والأتباع - صلى الله عليه وسلم -.
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «وحقيقةُ معناها تُعْلَمُ مِنْ آَخِرِهَا؛ فإنَّه - سبحانه وتعالى - بَتَرَ شَانِئَ رَسُولِهِ من كلِّ خَيْرٍ، فَيَبْتُرَ ذِكْرَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ، فيخسر ذلك في الآخرة، وَيَبْتُرَ حياتَه فلا ينتفع بها، ولا يتزوَّد فيها صالحًا لِمَعَادِهِ، وَيَبْتُرَ قَلْبَهُ، فلا يَعِي الخيرَ، ولا يؤهِّله لمعرفته وَمَحَبَّتِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ، وَيَبْتُرَ أَعْمَالَهُ، فلا يستعمله في طاعةٍ، وَيَبْتُرَهُ من الأنصار، فلا يَجِدَ له ناصرًا ولا عونًا، وَيَبْتُرَهُ من جميع القُرَبِ والأعمال الصَّالحة؛ فلا يذوقَ لها طعمًا، ولا يَجِدَ لها حَلاوَةً، وإن باشرها بظاهره فَقَلْبُهُ شَارِدٌ عنها» .
-مَلْحَظٌ مُهِمٌّ: النِّعَمُ تَسْتَدْعِي الشُّكْرَ.
لذلك كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - كما ثَبَتَ هذا في «المسند» و «السُّنَنِ» بِسَنَدٍ حَسَنٍ «لا يَنَامُ حتَّى يقرأ بني إسرائيلَ والزُّمَرَ» . ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الطَّحَّانُ.
فنذكر أنَّ النِّعَمَ تستدعي الشُّكْرَ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما كان يريد النوم يقرأ سُورَةَ بَنِي إسرائيل؛ ليستحضر فَضْلَ الله عليه، وكيف مَنَّ اللهُ عليه بهذا الأَمْرِ الجليل، وهو الإسراءُ والمِعْرَاجُ.
وفي ثنايا السُّورة ذَكَرَ اللهُ - سبحانه - الآياتِ الَّتي مَنَحَهَا لنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - وكيف حَفِظَهُ من شياطين الإنس والجِنِّ؛ {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} ، {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} ، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} .
وكان يقرأ سورة الزُّمُرِ لأنَّها - كما قال الإمامُ ابن تَيْمِيَّةَ رحمه الله - سُورَةٌ تمحَّضت في توحيد الله - جلَّ وعلا - فموضوعُها من أوَّلها إلى آخرها حَوْلَ توحيد الله، وإخلاص الدِّين له.
إذن فَبَعْدَ أن يذكر نِعْمَةَ الله عليه ماذا يفعل؟ يوحِّده، ويقرأ السُّورةَ الَّتي فيها تَوْحِيدُ الله وعبادتُه كما يريد بما يريد.
وانتبه لآيات هذه السُّورة: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4) } .