بَقِيَ من يَخْتَلِجُ وَيُذَادُ وَيُمْنَعُ عن الحوض والشُّرب؟ أُنَاسٌ يَقُولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أُمَّتِي أُمَّتِي، مع أنَّه لَمْ يَرَاهُمْ؛ لأنَّ لَهُمْ عَلامَاتٍ يَأْتُونَ يَوْمَ القيامة غُرًّا محجَّلين مِنْأَثَرِ الوضوء، فيعرفهم بذلك.
فَيُقَالُ: إنَّك لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَيَقُولُ: «سُحْقًا سُحْقًا» متفق عليه.
فَمَنْ حَادَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَبَدَّلَ وَغَيَّرَ، وَتَرَكَ السُّنَّةَ الَّتي قال فيها: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلاَّ هَالِكٌ» رواه ابن ماجة. فَيُمْنَعُ عن ذلك.
أُعْطِيَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الكَوْثَرَ كَرَامةً لَهُ، وكرامةً لأُمَّتِهِ، وَهُوَ نَهْرٌ في الجنَّة، يصبُّ في الحوض، وتشرب منه الأُمَّةُ ما دَامُوا في العرصات.
وَأَرْجَحُ الأَقْوَالِأنَّه قَبْلَ المِيزَانِ، وَقَبْلَ الصِّراط.
وجاء في الأَحَادِيثِأنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، لَكِنْ حَوْضُ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - أَوْسَعُهَا، وَأَحَلُّهَا، وَأَوْفَرُهَا، وَأَكْثَرُهَا وَارِدًا.
قال الإِمَامُ القرطبيُّ: «الصَّحِيحُ أَنَّ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَوْضَيْنِ أَحَدُهُمَا في المَوْقِفِ قَبْلَ الصِّراط، والثَّاني في الجنَّة، وكلاهما يُسَمَّى كَوْثَرًا، وعليه - وهو المعوَّل -فَإِنَّ الحَوْضَ يَكُونُ قَبْلَ الميزان، وَقَبْلَ مُرُورِ النَّاسِ عَلَى الصِّرَاطِ.
هَذِهِ بِشَارَةٌ مِنَ الله لرسوله، وَتَفَضَّلَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ في الأَزَل، ِ وَلَمْ يُمَكِّنْهُ منه إلاَّ في العَرَصَاتِ.
حَيَاةُ البَرْزَخِ تَخْتَلِفُ عن الحَيَاةِ الدُّنْيَا، كذلك حَيَاةُ الإنسانِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ في الرَّحِمِ تَخْتَلِفُ عن الحياة الدُّنيا، ثمَّ القَبْرُ يَخْتَلِفُ عن العَرَصَاتِ، وكلُّ دَارٍأَوْسَعُ مِنَ الَّتي قَبْلَهَا، وأضيقُهَا الرَّحِمُ.
لمَّا ذَكَرَ اللهُ مِنَّتَهُ على رسوله بإعطاء الكوثر الَّذي هو الخير الكثير، ويدخل فيه نهرُ الكوثر وحوضُ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -،أَرْشَدَهُ بعد ذلك كيف يشكر هذه النِّعَمَ، وَيُقَابِلُ هذه المِنَنَ؛ لأنَّ المُسْلِمَ إذا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ.
قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} :قال ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: «أَيْ أَخْلِصْ لَهُ صَلاتَكَ وَذَبِيحَتَكَ» .
وَالمُتَتَبِّعُ لِسِيرَتِهِ - صلى الله عليه وسلم - يَجِدُهُ قَدْ قَامَ بِهَاتَيْنِ العِبَادَتَيْنِ خَيْرَ قِيَامٍ؛ امْتِثَالًا لأَمْرِ رَبِّهِ.
وإذا مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ بالنِّعَمِ، فَالوَاجِبُ أَنْ تَشْكُرَ المُنْعِمَ؛ {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} ؛ أَيِ: اجْعَلْ صَلاتَكَ خَالِصَةً له، وَنَحْرَكَ خَالِصًا له - أَيْ ذَبْحَكَ- فيكون على اسْمِ اللهِ خَالِصًا له، لا تُشْرِكُ مَعَهُ أَحَدًا.
فأمَّا الصَّلاةُ أَيْ: صَلِّ لله الَّذي تفضَّل عليك؛ فإنَّ الكفَّارَ يُصَلُّونَ لِغَيْرِ اللهِ، ويذبحون لغير الله.
فَأَمَرَهُ بِإِخْلاصِ الصَّلَوَاتِ لله؛ لأنَّ هناك من يصلِّي رِيَاءً وَسُمْعَةً.
عن أبي سعيدٍ الخِدْرِيِّ - رضي الله عنه - قال: خرج علينا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتذاكر المسيحَ الدَّجَّالَ فقال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ المَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ فَقُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ الله! قال: الشِّرْكُ الخَفِيُّ؛ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَ فَيُزَيِّنَ صَلَاتَهُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهَ.
فالصَّلاةُ مَقَامُهَا عَظِيمٌ، وَخَيْرُهَا كَثِيرٌ، ولكن لا يقبل اللهُ من الأعمال إلاَّ ما كان لله وَوَفْقَ هَدْيِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: {وَانْحَرْ} : أَيِ اذْبَحْ لله تَقَرُّبًا إليه وتعظيمًا؛ لأنَّه عِبَادَةٌ؛ كَذَبْحِ الأُضْحِيَةِ، وَالهَدْيِ، وَالعَقِيقَةِ، أمَّا الذَّبْحُ للضَّيْفِ، أو البَيْتِ فَهَذَا مُبَاحٌ، لكن المَقْصُودُ به هنا الذَّبْحُ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ والتَّعْظِيمِ.
فَمَنْ ذَبَحَ تَقَرُّبًا وتعظيمًا للقبور والمخلوقين؛ تقرُّبًا وتعظيمًا لهم، فقد أَشْرَكَ شِرْكًاأَكْبَرَ.
وَمِنْ هنا قَرَنَ اللهُ الذَّبْحَ مع الصَّلاة؛ دليلًا على أنَّ الذَّبْحَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ.
والمعنى: لِتَكُنْ صَلَاتُكَ وَذَبْحُكَ لله وعلى اسْمِ الله، أمَّا مَنْ يَقُولُ اذْبَحْ دِيكًا أو خروفًا ولا تُسَمِّ عليه، أَوِ اذْكُرْ اسْمَ فُلانٍ شَيْطَانٍ، فَهَذَا شِرْكٌأَكْبَرُ مُخْرِجٌ مِنَ المِلَّة.
عن أمير المؤمنين عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.